عطارد يجعل الجوزاء يسأل، والقمر يجعل السرطان يحسّ قبل أن يُسأل. هواء متحوّل يمرّ بماء منقلب، جاران في الدائرة ولا شيء مشترك على الورق. يخرج السرطان من قوقعته ضاحكًا على خفّة الجوزاء، ويسكت في رأس الجوزاء ألف سؤال لحظةَ يلمسه دفء السرطان. هنا يتعلّم الجوزاء أنّ بعض الأشياء لا يُقال، ويتعلّم السرطان أنّ بعضها الآخر لا بدّ أن يُقال.
ما ينساب بينهما
الجوزاء يُضحك السرطان، والسرطان يُطعم الجوزاء، وهذا ترتيب يرضي الاثنين. الفضول عند الجوزاء يجد في ذاكرة السرطان حكايات لا تنتهي، والعناية عند السرطان تجد في الجوزاء من يحتاجها من دون أن يعرف. كلاهما يحبّ البيت المليء بالأصدقاء والحديث. والسرطان يحمي، والجوزاء يُسلّي، فيكمل أحدهما الآخر.
أين يحتكّان
السرطان يطلب الحضور والجوزاء يطلب الحرّية، فيشعر الأوّل بأنّه مُهمَل والثاني بأنّه مُحاصَر. الجوزاء يمزح في اللحظة التي يحتاج فيها السرطان إلى جدّية، والسرطان يصمت في اللحظة التي يحتاج فيها الجوزاء إلى كلام. والتقلّب عند الجوزاء يُقلق السرطان الذي يريد أن يعرف أين يقف. وعلى هذا الحدّ الرفيع ينضج الاثنان: الجوزاء نحو العمق، والسرطان نحو الخفّة.
في الحب
حبّ يبدأ بالضحك وينتهي بالحنان إن أحسن الاثنان الطريق. الجوزاء يفتن بالذكاء والمفاجأة، والسرطان بالعناية والذاكرة. الرومانسية عند السرطان بيت وعشاء وأمان، وعند الجوزاء رسالة ومزحة ورحلة قصيرة. ليلة كاملة في البيت لا يضجر فيها الجوزاء، ونزهة لا يخاف فيها السرطان: من هذين يُصنع العمر الطويل.
ما على كلٍّ منهما أن يقدّمه
ما يُنتظر من الجوزاء: أن يتوقّف عن المزاح حين يرتجف صوت السرطان، وأن يعود في الموعد الذي قاله. وما يُنتظر من السرطان: أن يقول حاجته بالكلمات لا بالصمت، وأن يترك الجوزاء يذهب من دون أن يُحمّله ذنبًا. ولكلّ منهما قاموس يكتبه للآخر بيده.
رجل الجوزاء وامرأة السرطان
رجل الجوزاء يتكلّم بالكلمات، وامرأة السرطان تتكلّم بالمزاج والنظرة والصمت، فيحتاجان في البداية إلى من يترجم بينهما. عطارد يجعله فضوليًّا خفيفًا لا يستقرّ على سؤال، والقمر يجعلها عميقة الإحساس، تقرأ الجوّ قبل أن يُقال شيء. برجان متجاوران في الفلك، هواء متحوّل وماء منقلب، لا يجمعهما عنصر ولا نمط. يجذبها فيه ظرف يفكّ خوفها ويضحكها، ورجل يحمل إليها العالم في حكاياته. ويجذبه فيها دفء يجعل أفكاره المتسارعة تهدأ، وعناية لم يكن يعرف أنّه يحتاجها. يعطيها خفّة تخفّف ثقل مخاوفها، وتعطيه بيتًا وعشاءً وذاكرة تحفظ تفاصيله. لكنّها تطلب حضوره وهو يطلب حرّيته، فتشعر بالإهمال ويشعر بالحصار. وحين يكون قلبها مثقلًا يردّ بنكتة، وحين يريد هو أن يفهم ما بها تكتفي بالسكوت. وتبدّل خططه يحرمها من الإحساس بالأمان. يدوم الحبّ حين يصير جادًّا كلّما احتاجت إلى الجدّ، ويفي بمواعيده الصغيرة، وحين تشرح له ما يؤلمها بدل أن تنتظر منه أن يحزره، وتطمئنّ إلى أنّ خروجه إلى العالم ليس ابتعادًا عنها. عندها تصير خفّته جناحًا لها، ويصير دفؤها مرفأً له.
رجل السرطان وامرأة الجوزاء
رجل السرطان يحبّ بالعناية والذاكرة، وامرأة الجوزاء تحبّ بالحديث والمفاجأة، فيبدأ الحبّ بينهما بضحكة وينضج إن صبرا عليه إلى حنان. القمر يجعله حاميًا، حسّاسًا، يتذكّر ما قالته منذ شهور، وعطارد يجعلها متنقّلة بين الأفكار والناس كالنسمة. يأسره فيها ذكاء مشرق يخرجه من همومه، وامرأة تحمل إلى بيته أخبارًا وأصدقاء وحياة. ويطمئنها فيه رجل يرعاها كما لم يرعها أحد، ويهيّئ لها مكانًا دافئًا تعود إليه بعد كلّ تجوال. يمنحها جذورًا تمسكها حين تتشتّت، وتمنحه أجنحة حين يثقل عليه مزاجه. يحبّان معًا البيت الممتلئ بالأحاديث والأصدقاء، فيلتقيان هناك بلا جهد. الاحتكاك يأتي حين يحتاج إلى قربها فتكون مشغولة بألف شيء، فيشعر بأنّه في آخر القائمة. وحين يُجرح ينسحب إلى قوقعته، فلا تفهم هي الصمت وتملؤه بالكلام أو بالخروج. وتبدّل رأيها يربكه، لأنّه يحتاج إلى يقين يطمئنّ إليه. يبقى الحبّ حين يقول ما يحتاجه بوضوح ويمنحها حرّيتها بلا لوم، وحين تحضر معه بكاملها في اللحظات المهمّة، وتأخذ مشاعره على محمل الجدّ. برجان متجاوران، يحفظ حبّهما أن يصبر كلّ منهما على طريقة الآخر في قول الحبّ.