شيءٌ يليق بالسماء يُصاغ لأجلكم — الافتتاح الرسمي يقترب، وأبوابه تُفتَح لكم أولًا.

علمٌ يُضيء الطريق — كلمات تبقى معك

أن تفتح كتابًا فتجد جوابًا: فأل الديوان وأسرته الكبيرة

أن تفتح كتابًا فتجد جوابًا: فأل الديوان وأسرته الكبيرة

تنوي، ثم تفتح ديوان شعرٍ على غير قصد، ثم تقرأ. ممارسةٌ قديمة عابرة للأمم، ومحكمةُ البناء أكثر ممّا تبدو.

في تراثنا لفظان يُخلط بينهما كثيرًا، والفرق بينهما دقيقٌ ونافع: الفأل والطِّيَرة.

الطِّيَرة أن تُرتِّب على ما تراه أو تسمعه تشاؤمًا ثم تمتنع بسببه؛ رجلٌ يعزم على سفر فيرى ما يكره فيرجع. والفأل غيرها: الكلمة الطيّبة تقع في أذنك من حيث لا تحتسب، فتنشرح لها وتمضي. الأولى تُقعِد، والثاني يُنهض. وقد جرى العرف في الأدب على استحسان الثاني والتنبيه على الأولى، والفرق العملي بينهما — وهو ما يعنينا هنا — أنّ الفأل لا يُبنى عليه حكم، وإنّما يُستأنس به على أمرٍ قد عزمتَ عليه.

وفي هذا الباب بالذات تجلس ممارسةٌ عمرها قرون، ما زالت تُفعل الليلة في بيوتٍ كثيرة: أن ينوي المرء نيّةً، ثم يفتح ديوان شعرٍ على غير قصد، ثم يقرأ ما وقع بصره عليه.

وأشهر صورها اليوم فأل ديوان حافظ في البيوت الإيرانية، وله فيها تقويمٌ ومناسبات وآداب. لكنّ الممارسة ليست فارسيةً وحدها، ولم تبدأ هناك، ولا تنتهي عندها.

هذه المقالة عنها: ما هي، ولماذا تعمل أحسن ممّا تستحقّ ظاهرًا، وكيف تُفعل على وجهها، وأيّ الكتب تصلح لها ولماذا، وما الذي يُصنع حين لا تقول الصفحة شيئًا.

أسرةٌ عابرة للأمم

الاسم العامّ لهذا فأل الكتاب — أن تُلقي سؤالك على كتابٍ فتأخذ ما يجيء جوابًا — وهو يظهر حيثما وُجدت كتبٌ وقراراتٌ معًا.

كان الرومان يستفتحون ڤيرجيل: يفتحون الإنياذة على غير قصد التماسًا للتوجيه، وهي عادةٌ موثّقة عندهم منذ عصر الإمبراطورية. وطوّرت أوروبا المسيحية نظيرًا لها بالكتاب المقدّس، ونحن نعرف مبلغ شيوعها أساسًا لأنّ المجامع الكنسية ظلّت تنهى عنها — والنهي المتكرّر قرونًا علامةٌ موثوقة على شيءٍ لم يكن يتوقّف.

وأشهر وقائعها جرت صيف سنة ٣٨٦ للميلاد: أوغسطين في بستانٍ بميلانو، على حافّة قرارٍ ظلّ يدور حوله سنين، سمع صوت طفلٍ يردّد «خذ فاقرأ»، فدخل وفتح الكتاب على غير قصد، وانتهى الأمر عند ذلك الموضع. وقد روى هو ذلك في الاعترافات.

وفي العالم الناطق بالفارسية وجدت الممارسة كتابها الدائم. فـديوان حافظ الشيرازي — شاعرٌ من القرن الرابع عشر تبلغ غزلياته بضع مئات — صار، وبقي ستّة قرون، الكتاب الذي يُفتح. وهو في عددٍ كبير جدًّا من البيوت الإيرانية لهذا الغرض بعينه، ويُفتح في ليلة يلدا وفي النوروز وفي أيّ ليلةٍ يعجز فيها أحدٌ عن الحسم.

وانظر ما يجمع هذه كلّها: إنسانٌ عنده سؤال، وكتابٌ اختير سلفًا لا لهذه المناسبة، وموضعٌ يقع إليه بغير تحكّم، واتّفاقٌ على أنّ ما يقع يُقرأ خطابًا لصاحب النيّة. والبند الأخير هو الآلية كلّها، وهو نفسه العامل في كلّ قُرعة: لا بدّ أن يخرج الجواب عن يدك حتى يستطيع أن يخبرك بشيء.

لماذا يجيب الشعر خيرًا من جملةٍ واضحة

ثلاث كتل من الكتابة معروضة نسيجًا خالصًا: مستطيل كثيف متجانس، وعمود طويل مضطرب الأسطر، وكتلة قصيرة من أبيات مزدوجة بينها فراغ واسع وشقّ رفيع في وسطها.
الكتاب الفنّيّ يعطيك فقرة، والرواية تعطيك حكاية غيرك، والبيت يعطيك فكرة تامّة حيثما انفتح الكتاب.

وهنا الجزء الذي يُترك عادةً غموضًا وهو في الحقيقة مفسَّر — والتفسير يزيد الأمر طرافةً لا نقصًا.

افترض أنّك جرّبت هذا بكتابٍ تقنيّ. سيقع بصرك على فقرةٍ في عزوم الشدّ، ولن يحدث شيء. وجرّبه برواية، فيصلك مقطعٌ من سردٍ يخصّ قصّة إنسانٍ آخر. ولا يعمل مع أيٍّ منهما إلّا بالكاد، وكلّ من جرّب يعرف ذلك.

يعمل مع الشعر، وبنوعٍ منه أشدّ: الشعر المكثّف، الصُّوَريّ، والمقصود فيه أن يكون غير محدَّد المرجع. فالغزل الفارسيّ سلسلة أبياتٍ يقوم كلٌّ منها بنفسه، يجمعها القافية والمزاج لا الاستدلال؛ وصوره المتكرّرة — المحبوب، الخمر، الخرابات، الوردة، البلبل، الباب — مشهورةٌ بأنّها غير مثبّتة على مدلولٍ واحد. وقد اختلف القرّاء ستّة قرونٍ في محبوب حافظ: أهو إنسانٌ أم ممدوحٌ أم الحقّ؟ ولم يُحسم الخلاف لأنّ القصائد مبنيّةٌ على أن لا يُحسم.

وليس هذا عيبًا، بل خاصّية تصميم، وهي بعينها ما يجعل الديوان آلةً جيّدة. فالنصّ ذو المرجع الواحد يعطيك معنًى واحدًا، إمّا أن يكون عن حالك وإمّا لا. والنصّ ذو المراجع المتعدّدة يعطيك بنيةً تستطيع حالُك أن تدخل فيها — والذي تجده فيه هو حالك أنت، منطوقًا بلغةٍ ما كنت لتبلغها وحدك.

وهذا هو الوصف الصادق لما تفعله الممارسة. الكتاب لا يعلم عنك شيئًا. والذي يعرضه مجموعةٌ من الصور بالغة الجودة، تصلك بغير تحكّمٍ منك، في لحظةٍ انتباهك فيها مشدودٌ لسببٍ بعينه. وانتباهٌ بهذه الجودة، مطبَّقٌ على مادّةٍ بهذه الجودة، يُنتج ما لم يكن عندك قبل خمس دقائق. وهذه واقعةٌ حقيقيّة، وهي سبب بقاء هذه الممارسة أطول من كثيرٍ ممّا ادّعى لنفسه أكثر منها.

لماذا حافظ بعينه

وفي الشعر الفارسيّ قممٌ كثيرة، فسؤال «لماذا هذا الديوان دون غيره» سؤالٌ له جواب، وجوابه ليس عاطفيًّا.

ثلاث خصائص جعلته الكتاب. الشكل: أبيات الغزل قائمةٌ بذاتها، فأيّ موضعٍ يُفتح عليه الكتاب يعطي وحدةً تامّة لا شظيّة. وافتح منظومةً قصصيّة تقع في وسط حكاية؛ وافتح الديوان تقع في وسط فكرةٍ تامّة.

والإبهام: حركة حافظ المميّزة أن يمسك ساحتين في بيتٍ واحد — الحانة والمحراب، المحبوب البشريّ والإلهيّ، العتاب والمدح — ويأبى أن يردّ إحداهما إلى الأخرى. وهذا الإباء هو الخاصّية التقنيّة المذكورة أعلاه.

والنبرة: الديوان كتابٌ يمتنع باطّراد عن الإدانة. ومتكلّمه رفيقٌ بضعف الإنسان، مرتابٌ في التقوى المعروضة للناس، وفي جانب من أفسد أمرًا دائمًا. وهذا أمرٌ بالغ الأثر في ممارسةٍ يقصدها الناس وهم قلقون، وهو على الأرجح أعمق أسباب بقاء الكتاب في البيوت: يعزّ أن تفتح حافظًا فيُقال لك إنّك لا تساوي شيئًا.

والحافظية في شيراز من أكثر المواضع زيارةً في بلاده، والناس يأخذون فيها الفأل؛ فصار الكتاب والشاعر والمكان شيئًا واحدًا.

بناء الغزل، ولماذا يهمّ في الفأل

فصلٌ تقنيّ قصير، لأنّ فهم بناء الغزل يحسّن قراءة الفأل تحسينًا ملموسًا.

الغزل سلسلة أبياتٍ يشدّها القافية والرديف لا الاستدلال. وكلّ بيتٍ مستقلٌّ عمّا قبله وعمّا بعده. فالغزل لا «يتقدّم»، بل يدور: المعنى نفسه يُرى من زوايا، ويتزحزح قليلًا في كلّ مرّة.

ولهذا البناء أثران عمليّان في الفأل. الأوّل: ترتيب الأبيات غير مُلزِم، فالبيت الذي يعلق بك لا يلزم أن يكون الأوّل. ففي نصٍّ يحتجّ، الجملُ الوسطى بلا سابقتها لا تُفهم؛ وفي الغزل لا. ولهذا فعُرف «البيت الذي علق هو فألك» ليس عرفًا اعتباطيًّا، بل مستخرَجٌ من شكل الشعر نفسه.

والثاني: للمطلع والمقطع وظيفتان مختلفتان. فالبيت الأول يفتح الفضاء ويضع النبرة؛ والأخير، وفيه اسم الشاعر، يُدخل الشاعر في القصيدة ويخرج غالبًا خطابًا للنفس. ولهذا يجعل العرف المقطع نصيحةً: هو الموضع الوحيد من الغزل الذي يخاطب فيه أحدٌ أحدًا مباشرةً.

وثالثةٌ أقلّ ذكرًا: الرديف — الكلمة أو العبارة المكرّرة في أواخر الأبيات — يعمل في الفأل. فإن كان للغزل الذي جاءك رديفٌ لافت، فتلك الكلمة في الغالب أهمّ ما تحمله معك، ولو لم تستوفِ معاني الأبيات.

الطريقة

ولهذا الأمر وجهٌ يُفعل عليه، وخطواته ليست زينة: كلٌّ منها يزيل طريقةً بعينها تفسد بها الممارسة.

كتابٌ واحد، يُختار مرّة. اختره قبل أن تحتاجه ولا تبدّله. وتبديل الكتب بين سؤالٍ وسؤال يعادل تكرار السؤال حتى يوافقك.

انوِ في نفسك نيّةً محدّدة. والنيّة ليست شكليّة. أمسك السؤال الحقيقيّ — لا «ماذا أفعل بحياتي» بل الذي هو. ويقول أهل هذه الممارسة إنّ جودة الفأل مرتبطةٌ بصدق النيّة أكثر من ارتباطها بأيّ شيءٍ آخر.

افتح مرّةً واحدة. لا حتى يعجبك. مرّة.

اقرأ القصيدة كلّها، وبصوتٍ مسموع إن أمكن. وهذه الخطوة أكثر ما يُقفَز عنه وأهمّ ما في الباب. فالقراءة الجهرية ليست مراسم؛ هذه القصائد كُتبت للأذن، وحجّتها تسير في الصوت، وقراءة البيت الأول وحده تُضيّع أكثر ما فيها.

انتبه لما يعلق. في موضعٍ من القصيدة سيعلق بيت — تحسّه قبل أن تستطيع تعليله. ذلك البيت، لا الأول، هو فألك.

واقرأ البيت الأخير نصيحةً. فالغزل يُختم تقليديًّا باسم الشاعر، أي حافظ يخاطب نفسه. والعرف يجعل هذا البيت الختاميّ هو التوجيه، وهو اصطلاحٌ نافع حقًّا: يحوّل القراءة من وصفٍ إلى اقتراح.

ودوّن الكلّ. التاريخ والسؤال والقصيدة والبيت الذي علق وسطرًا واحدًا عمّا أخذت. وسنةٌ من هذا وثيقةٌ عن شواغلك أنت لا يعطيكها شيءٌ آخر.

فألٌ مقروء

ولأنّ «اقرأ القصيدة» نصيحةٌ يقولها الجميع ولا يُريها أحد، فهذه هيئة العمل — بمثالٍ مفترض، لأنّ المقصود الطريقة لا القصيدة.

ينوي رجلٌ في قبول عملٍ في مدينةٍ أخرى. والغزل الذي يُفتح، في ظاهره، عن عاشقٍ يشكو سفر محبوبه ويقول إنّ الخمر بعده لا طعم لها.

والحركة الأولى ليست أن تقول: «ذُكر السفر، إذن امضِ». فهذه قراءة الشعر كأنّه تقويم، وهي التي تُنتج القراءات السطحية. والحركة الثانية أن تقرأ الكلّ وتنتبه إلى ما يعلق فعلًا — وهو عند هذا السائل بيتٌ في وسط القصيدة لا علاقة له بالأسفار: بيتٌ في أنّ الوردة لا ينقصها أن تُمدَح وهي غائبة.

اجلس مع ذلك فتنبني القراءة من نفسها. صيغ السؤال رحيلًا. والبيت الذي علق عن بقاء شيءٍ رغم المسافة. والذي كان يقلق السائل حقًّا ليس الوظيفة؛ إنّها علاقةٌ واحدة، وهل تثبت إن رحل.

وهذه هي النتيجة المميّزة للفأل المُحسَن، وتستحقّ التسمية: الجواب في الغالب يعيد صياغة السؤال أكثر ممّا يجيب عنه. ويقول الممارس إنّ الكتاب لم يخبره بشيء؛ إنّما أعطاه صورًا واضحةً بما يكفي حتى رأى أخيرًا عمّ يسأل.

الآداب، ولمَ كلّ أدبٍ منها

وقد طوّرت كلّ صورةٍ من هذه الممارسة المجموعةَ الصغيرة نفسها من الآداب، وذلك في ذاته بيّنة.

لا تفتح لسؤالٍ ليس سؤالك. والعرف في هذا حازم، والسبب عمليّ: لا تستطيع أن تنوي نيابةً عن أحد، فالذي يعود إليك قراءتك أنت لحاله، وهي شيءٌ آخر أقلّ موثوقيّةً بكثير.

ولا تفتح مرّتين لسؤالٍ واحد. فالقراءة الثانية ليست أدقّ؛ هي الأولى مضافًا إليها ضيقك منها.

ولا تقرأ فأل غيرك بنبرةٍ سيّئة. وهذا أشيع ما تُحدثه هذه الممارسة من أذًى، وهي تُحدثه — لأنّ الناس يتذكّرون. ومن سمع في مجلسٍ أنّ فأله «رديء» يظلّ يحمل الجملة سنين. فإن جاء الغزل قاسيًا فلا تُليّنه، لكن لا تُلصقه بالإنسان: الغزل يقول في الحال لا في قيمة صاحبها.

وأحسِن إلى الكتاب. فالإيرانيّون يضعون الديوان في موضعٍ معلوم، وكثيرٌ منهم يقبّله قبل الفتح. ومهما كان رأيك في هذه اللفتة فهي تصنع شيئًا نافعًا: ترسم الحدّ بين القراءة العادية والقراءة المقصودة، والحدّ يعمل عملًا حقيقيًّا.

ولا تجعله بديلًا عن النظر. فأحسن ما تعمل فيه هذه الممارسة الأسئلةُ التي أعملت فيها فكرك ولم تصل، وأسوأ ما تعمل فيه أن تحلّ محلّ الإعمال. وهو الحدّ نفسه الذي بسطه مقال كيف تقرّر حين لا تستطيع أن تعرف من جهةٍ أخرى.

ثلاثة أخطاء في قراءة الفأل

وثلاثة أمورٍ تحوّل الفأل من تجربةٍ حقيقيّة إلى تسلية.

القراءة الحرفية. ذُكر «السفر» فالمعنى مسافرة؛ ذُكرت «الرسالة» فالمعنى خبرٌ آتٍ. وهذا أشيع الأخطاء، وهو يحوّل الشعر إلى قائمة رموز. وصور الغزل مقصودٌ فيها التعدّد؛ وأخذ الطبقة الأولى والمضيّ هو بعينه ما لم يُبنَ هذا الباب له.

القراءة بجوابٍ مُعَدّ سلفًا. إن كنت تعرف قبل فتح الكتاب ما تريد أن تسمع، قرأت الغزل قراءةً تقوله — وسيقوله، لأنّه واسعٌ بما يكفي. والعلاج بسيط: قبل الفتح، اكتب على ورقةٍ الجواب الذي يهواه قلبك. هذه الجملة وحدها تُبطل أكثر هذا الخطأ.

السرعة. الفأل لا يُؤخذ في ثلاثين ثانية. تُقرأ القصيدة، ثم تُقرأ ثانيةً، ثم يُسكَت دقيقة. ومن يقول «لم يقل لي الفأل شيئًا» هو دائمًا تقريبًا من فتح الكتاب وقرأ البيت الأول وأغلق.

حين لا تقول الصفحة شيئًا

يقع، ويقع أكثر لمن بدأ حديثًا، فيستحقّ جوابًا صريحًا لا غامضًا.

ثلاثة أسبابٍ عاديّة تغطّي أكثره. السؤال كان أوسع من أن يُحمَل. «ماذا أفعل بحياتي» لا فأل له، لأنّه ليس فيه صورةٌ محدّدة تعلق به. ضيّقه وأعِد في يومٍ آخر.

قرأت البيت الأول وحده. وهذا أشيعها بفارقٍ كبير. عُد واقرأ القصيدة كاملةً بصوتٍ مسموع؛ فالعلوق في الوسط عادةً.

الجواب ليس الذي أردت، وأنت تمتنع عن رؤيته. وهذا يستحقّ الجلوس معه لا حلّه. والفأل الذي يبدو خاليًا ثم يظلّ بيتٌ بعينه يعود إليك بعد ساعة لم يكن خاليًا.

وثمّة احتمالٌ رابع يرتاح إليه التراث تمامًا: أنّ القراءة ليست لليوم. وعادة تركِ السؤال والعودة إليه بعد أسبوعٍ قديمةٌ رشيدة، وأعقل بكثير من فتح الكتاب إحدى عشرة مرّةً في ليلة.

حين يجيء الفأل قاسيًا

موضعٌ يمرّ به كلّ من مارس هذا، ويُتعامل معه غالبًا تعاملًا سيّئًا.

يُفتح الكتاب فيجيء غزلٌ في الفراق، أو في خيبةٍ، أو في وقتٍ ضاع. والانطباع الأوّل: «فألٌ رديء». وهذا الانطباع في ذاته هو المشكلة، لأنّه يُقفل القراءة قبل أن تبدأ.

وأوّل ما يُقال: الغزل يقول في الحال لا في المصير. فقصيدةٌ في الفراق قد تعني أنّ الفراق واقع، وقد تعني أنّ خوفه هو الذي يحكمك، وقد تعني أنّك تُنهي شيئًا انتهى أصلًا وتؤجّل الاعتراف. والثلاثة قراءاتٌ مشروعة لبيتٍ واحد، والذي يفرّق بينها هو حالك أنت لا الكتاب.

وثانيها أنّ في الديوان بالذات خصلةً تنفع هنا: قلّ أن تخلو قصيدةٌ قاسية عنده من بيتٍ يفتح بابًا. فإن جاءك ما يشقّ عليك فلا تقف عند البيت الجارح؛ أكمل القصيدة إلى آخرها، فالمقطع في الغالب يخفّف ما شدّده المطلع، وهذا من بناء الغزل لا من حسن الحظّ.

وثالثها عمليّ: إن بقي الأثر ثقيلًا بعد ساعة، فاكتب البيت وضع الكتاب جانبًا وعُد إليه بعد أسبوع. والفأل الذي يُقرأ في ليلة الضيق يُقرأ بالضيق؛ والفأل نفسه بعد أسبوعٍ قد يقول شيئًا آخر تمامًا — لا لأنّه تبدّل، بل لأنّ القارئ تبدّل، وهذا هو المتغيّر الحقيقيّ في المعادلة كلّها.

أيّ الدواوين تصلح

وإن لم تكن ستستعمل ديوان حافظ — ولا يلزمك ذلك — فالاختيار يستحقّ عناية، لأنّه يقرّر مدى نجاح الأمر معك.

والمطلوب كتابٌ لغته مكثّفة، وصوره متعدّدة، ومقاطعه تقوم بأنفسها. وهذا في العمل يعني الشعر، وغالبًا الشعر ذا التقليد الطويل في الإنشاد.

وللقارئ العربيّ خيارٌ قريبٌ لا يخطر له كثيرًا: ديوان المتنبّي. وهو يصلح لخصائص واضحة: البيت عنده قائمٌ بنفسه إلى حدٍّ بعيد، وحكمته مصوغة صياغةً تُحفَظ، وقصائده تحتمل الوجهين — الفخر والانكسار في نفس القصيدة. وقد جرت العادة قرونًا بالاستشهاد ببيته في المواقف، وهو استعمالٌ قريب جدًّا من هذا الباب وإن لم يُسمَّ فألًا.

ويصلح كذلك أبو العلاء لمن يحتمل صرامته، وابن الفارض لمن يميل إلى المعنى الصوفيّ، وشعر المتصوّفة عمومًا لأنّه مبنيٌّ على المعنى المزدوج. وفي الفارسية: مثنوي جلال الدين الرومي، وسعدي، ورباعيّات الخيّام، ومنطق الطير لـالعطّار.

وما لا يصلح: النثر القصصيّ، لأنّ مقاطعه تحمل زخم حكايةٍ ليست حكايتك؛ وكلّ ما كُتب ليكون قاطع الدلالة، لأنّ الأمر يحتاج فسحة؛ وكتابٌ لم تقرأ منه ما يكفي لتكون بينك وبينه صلة. فالديوان يعمل جزئيًّا لأنّ أهله يعرفونه: يعرفون القصيدة، وقد سمعوا البيت قبلًا، والمعرفة نفسها جزءٌ من القراءة.

القرعة، وأين يقف هذا منها

يعرف القارئ العربيّ لفظ «القرعة» ويعرف أنّ له في المدوّنة موضعًا، ويحسن تحرير النسبة بينه وبين ما نتكلّم فيه.

القرعة في الاستعمال الفقهيّ أداةٌ ضيّقة المورد: تُصار إليها عند التساوي التامّ وتعذّر الترجيح — كقسمةٍ بين شريكين تساوت حصصهما، أو تقديمٍ بين مستحقّين استوت مراتبهم. وشرطها المذكور دائمًا أنّها لا تُستعمل قبل استنفاد النظر، ولا تُنشئ حقًّا لم يكن.

وهذا الشرط بعينه هو ما ينبغي أن يُحمَل إلى فأل الكتاب، وهو نافعٌ سواءٌ نظرتَ إليه من جهة الفقه أو من جهة الحكمة العملية وحدها: أداةٌ تُستعمل حيث انتهى الترجيح، لا حيث بدأ. فمن فتح الديوان قبل أن يجمع خبرًا أو يستشير أهل معرفة، فقد استعمل الأداة في غير موضعها، وسيخرج بنتيجةٍ لا تنفعه مهما كانت القصيدة جميلة.

والفرق الآخر الذي يستحقّ التسمية أنّ القرعة تُخرج قسمةً، والفأل يُخرج كلامًا. القرعة تفصل بين متساويين فصلًا نهائيًّا؛ والفأل يعطيك صورةً تُعيد بها النظر. ولذلك لا يُقال في الفأل «قد وقع الحكم»، وإنّما يُقال: هذا ما رأيتُه حين نظرت.

ومن ضبط هذين — الموضع والوظيفة — أمن أكثر ما يُخشى في هذا الباب: أن يُحمَّل بيتُ شعرٍ ما لا يحتمله، ثم يُلام الشعر.

لماذا للعربيّة حسٌّ خاصّ بهذا الباب

ملاحظةٌ تخصّ لغتنا وتستحقّ التسمية، لأنّها تفسّر لماذا يألف القارئ العربيّ هذه الممارسة قبل أن يجرّبها.

ثقافتنا ثقافة كلمةٍ مسموعة قبل أن تكون ثقافة صفحة. ولذلك بُنيت فيها عاداتٌ كثيرة على الكلمة تقع في الأذن: التفاؤل بالاسم الحسن، والتبرّك بالبشارة، وإنشاد البيت في موضعه فيصير حكمًا. وأدب الاستشهاد كلّه — أن يُستدعى بيتٌ قديم ليقول ما يعجز عنه الكلام العاديّ — قائمٌ على أنّ للشعر قدرةً على تسمية الحال لا يملكها النثر.

ومن هنا كان الفأل بالديوان قريبًا من مزاجنا حتى لو لم نسمّه بهذا الاسم. فمن حفظ بيتًا ثم وجده يعود إليه في يومٍ عصيب، فقد جرّب بالفعل ما تصفه هذه المقالة، بلا كتابٍ ولا نيّة ولا فتح.

والفرق الذي تضيفه الممارسة المنظّمة أمران: القصد، أي أن تسأل سؤالًا بعينه بدل انتظار ما يعرض؛ والخروج عن اليد، أي ألّا يكون البيت الذي جاءك هو الذي استدعيته أنت. والثاني هو الأهمّ، لأنّ ما تستدعيه أنت يوافقك دائمًا، وما يأتي بغير استدعاءٍ قد يخالف — وفي المخالفة الفائدة.

دفتر الفأل

عادةٌ صغيرة تحوّل هذا الأمر، على مدى سنين، إلى شيءٍ آخر تمامًا، ولا يكاد يفعلها أحد.

في كلّ مرّة تأخذ فيها فألًا، اكتب أربعة سطور: التاريخ، والنيّة، والبيت الذي علق، وجملةً واحدة عمّا فهمت. ولا يلزمك نقل القصيدة كاملةً؛ يكفي رقم الصفحة أو المطلع.

ثم اقرأ الدفتر بعد سنتين متتابعًا، فتظهر ثلاثة أمورٍ لا يُريها شيءٌ آخر.

الأوّل: نيّاتك تتكرّر. كنت تظنّ أنّ لك في كلّ مرّة سؤالًا جديدًا؛ والحقيقة أنّ عندك ثلاثة أو أربعة أسئلة تبدّل ثيابها. ورؤية ذلك وحدها أنفع من أيّ فألٍ منفرد.

والثاني: للأبيات التي تعلق بك عائلة. فمن يلتقط دائمًا أبيات الصبر ليس كمن يلتقط دائمًا أبيات الرحيل. وهذه خريطة ميلك أنت لا خريطة الديوان.

والثالث: السطر الأخير أهمّ الأعمدة. فـ«ما فهمت» يُقرأ بعد ستّة أشهر فيُضحك صاحبه أو يُسكته — لأنّه يتبيّن أنّك كنت تعرف ولم تفعل، أو بالعكس، فعلت ما لم تجرؤ حينها على كتابته.

والدفتر يحوّل الفأل من لحظةٍ طيّبة إلى أداة معرفةٍ بالنفس، ويقع هذا التحوّل بلا حاجةٍ إلى دعوى في الكتاب أصلًا.

أسئلة شائعة

أيلزم أن يكون الكتاب بلغته الأصلية؟ لا، لكن ينبغي أن تكون القصيدة ممّا تُسمَع. وإن قرأت ترجمةً فاختر ما يُقرأ شعرًا لا شرحًا، فالممارسة تتوقّف على أن تعمل اللغة.

وهل تصلح النسخة الإلكترونية؟ يختلف الممارسون وكلا الرأيين يُقال بصدق. والذي يعطيه الكتاب الورقيّ هو الوقفة — أن تجده وتحمله وتفتحه — وليست الوقفة بلا شيء.

كم مرّة؟ مرّةً للسؤال، ودع السؤال يستريح قبل أن تفتحه ثانية. وكثيرون يحفظونه للمفاصل الحقيقية ويقولون إنّ القراءات أفضل بسبب ندرتها.

وإن جاءت القصيدة نفسها مرّتين؟ خذها بجدّية بدل إعادة الفتح. ففي هذه الأسرة كلّها يُقرأ التكرار تأكيدًا.

أيصلح لسؤالٍ بنعم أو لا؟ يصلح، لكنّك تستعمل آلةً واسعة لعملٍ ضيّق. والقصيدة تجيب بالصور؛ فإن كنت تريد قدرًا واحدًا من المعلومة فـالبندول هو الآلة المصنوعة لذلك، ومقال السؤال المغلق في التاروت يعالج المسألة نفسها من جهة الأوراق.

أيلزم أن أعتقد شيئًا في هذا؟ أقلّ ممّا يُظنّ. فهذه طريقةٌ منظّمة لوضع لغةٍ جيّدة أمام سؤالٍ حقيقيّ في لحظة انتباه، وهي تعمل مهما كان تفسيرك لها.

وهل يصحّ أن آخذ فألًا لأمرٍ يخصّ غيري؟ لا على وجهه، والسبب في متن المقالة: النيّة لا تُنَاب. لكن يصحّ ما هو أنفع: أن تأخذ فألًا لسؤالك أنت في الأمر — «كيف أُحسن مساعدته؟» — فهذا سؤالك حقًّا، وله فأل.

وما موضع هذا من الأدب العربيّ المعاصر؟ باقٍ في صورةٍ مخفّفة: كثيرون يفتحون ديوانًا في وقتٍ صعب من غير أن يسمّوا ما يفعلون فألًا. والفرق بين هذا وبين الممارسة المنظّمة هو القصد والتدوين لا أكثر — وكلاهما يسهل إضافته.

إن أردت أن تجرّب الليلة

تحتاج كتابًا تحبّه، وسؤالًا حقيقيًّا، وعشر دقائق بلا مقاطعة. انوِ، وافتح مرّةً، واقرأ القصيدة كاملةً بصوتٍ مسموع، وعلّم ما علق، واقرأ البيت الأخير نصيحةً، ودوّنه. هذه هي الممارسة كلّها، ولا تكلّف شيئًا.

والذي لا تعطيك إيّاه صوتٌ ثانٍ. فالفأل محادثةٌ مع كتاب، والكتب لا تسأل السؤال التالي — وهو بالضبط ما يحتاجه سؤالٌ ظلّ يدور شهورًا. والقراءة الروحانية مع لُكساريون مصنوعةٌ لذلك: محادثةٌ تذهب إلى السؤال الذي تحت السؤال وتبقى معه حتى ينفع.

وإن كان الذي في يدك قرارًا لا فضولًا، فـمقال كيف تقرّر حين لا تستطيع أن تعرف يأخذ المسألة نفسها من بابٍ أقدم، ومقال الحسّ الهادئ امتدادٌ طبيعيّ لكلّ ما سبق عن البيت الذي يعلق قبل أن تعرف لماذا.

#روحانيات

حدّث ٣ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٢٧ مشاهدة

المكتبة تُعلّم الحرفة. والقراءة تُنزلها عليك أنت.

احصل على قراءتك الشخصية
أن تفتح كتابًا فتجد جوابًا: فأل الديوان وأسرته الكبيرة