شيءٌ يليق بالسماء يُصاغ لأجلكم — الافتتاح الرسمي يقترب، وأبوابه تُفتَح لكم أولًا.

علمٌ يُضيء الطريق — كلمات تبقى معك

كيف تختار حين لا تعلم: الاستخارة عملًا لا انتظارًا

كيف تختار حين لا تعلم: الاستخارة عملًا لا انتظارًا

ما تطلبه الاستخارة حقًّا، وترتيبها الذي يُغفل: المشورة ثم الصلاة ثم العزم ثم التوكل — ومنهج عملي لقرارٍ يؤرقك.

ثمّة ليلةٌ يعرفها كلُّ أحد. الأمر جادٌّ، والوقت يضيق، وقد نفد ما عندك من خبر. كتبتَ الوجوه ووازنتَ بينها، وسألتَ من يُسأل، ثم بقي الكفّان متقاربَين، أو رجح الوجه الذي تهابه. تطلب في تلك الساعة يقينًا، واليقين هو وحده ما ليس في يدك.

ولكلِّ تقليدٍ كبير جوابٌ عن تلك الليلة، لأنها تنزل بالناس جميعًا. والجواب الذي صيغ في هذه الأمة اسمه الاستخارة، وفيه لطيفةٌ تفوت أكثر من يسمع بها: ليست الاستخارة بابًا إلى اليقين، بل أدبًا في الإقدام مع فقده. وهذا أنفع وأندر.

وهذه المقالة في حقيقة العمل: لفظه، وترتيبه، وما قرّره الشُّرّاح فيه، والوهم الشائع الذي يعطّل الناس عنه — ثم في هيكله العاري حين تنزعه عن لسانه وتُنزله على أيّ أمرٍ عسير.

ما الذي تطلبه الاستخارة؟

الكلمة من مادّة «خ ي ر»، والاستخارة استفعالٌ منها: طلب الخِيَرة، أي طلب ما هو خير. وليست استخبارًا عمّا سيكون؛ إنما هي سؤالُ أن يُصرف الخير إليك ويُصرف الشرّ عنك.

وقد جاء العمل في حديث جابر بن عبد الله في صحيح البخاري، وفيه أن النبيّ كان يعلّم أصحابه الاستخارة في الأمور كلّها كما يعلّمهم السورة من القرآن. وأوّل ما يُلتفت إليه في هذه العبارة أنها تنزع عن الاستخارة صفة الطقس النادر: عملٌ يوميّ، يُعلَّم للعامّة، «في الأمور كلّها».

وصورته ركعتان من غير الفريضة، ثم دعاء بعدهما. وفي بناء الدعاء تكمن الفكرة كلّها. يفتتح بإقرارٍ بالتفاوت — أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب — ثم يعرض مطلبًا مشروطًا بشرطَين متقابلَين:

اللهمّ إن كنتَ تعلم أنّ هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري — فاقدره لي، ويسّره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنتَ تعلم أنّ هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري — فاصرفه عنّي، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضّني به.

وقف عند آخر الكلام، فهو الذي يُمرّ عليه الناس مرورًا وهو موضع العمل: «ثم رضّني به». آخر ما يسأله الداعي ليس خبرًا عن الغيب، بل صلحًا مع غيبٍ لم ينكشف بعد. إنه يسأل أن يُغيَّر هو، لا أن يُخبَر فحسب.

وفي الدعاء لطيفةٌ ثانية عمليّة: ذكر ثلاثةَ مقاييس — الدين، والمعاش، وعاقبة الأمر. والثالث هو المدى البعيد. وأكثر القرارات الفاسدة لا تظهر فسادها في يومها، وإنما في سنتها الثالثة. فبنى الدعاء هذا المدى في صلب السؤال بناءً لغويًّا، وهذا أكثر ممّا تصنعه أكثر مناهج القرار المعاصرة.

ثم انظر إلى قوله «واصرفه عنّي واصرفني عنه». صرفان لا صرفٌ واحد: أن يُبعَد الأمر عنك، وأن يُبعَد قلبك عنه. فقد يُرفع الأمر ويبقى التعلّق، وتلك عقوبةٌ لا فرج. فسُئل الفراقان معًا.

الوهم الذي يعطّل الناس عنها

يشيع بين الناس أنّ المستخير ينتظر رؤيا، وأنّ لونها يفصل: الخُضرة إذنٌ والسواد منع. وكم من صادقٍ انتظر تلك الرؤيا أسابيع، ثم حكم على نفسه بالحرمان، وترك العمل من أصله.

والمحقّقون في هذا أوسع صدرًا. تكلّم ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري فيما يعقب الاستخارة، ولم يجعل الرؤيا شرطًا فيها؛ وكذلك النووي في مصنّفاته المتداولة. وتقسيم الألوان زيادةٌ من عمل الناس لا من نصّ الحديث. وليس في الدعاء حرفٌ واحد يسأل منامًا. إنما فيه أن يُيسَّر الأمر أو يُصرف، وأن يطمئنّ القلب.

وفهم هذا يحوّل الاستخارة من انتظارٍ إلى عمل. لستَ مرتقبًا رسالة؛ أنت سائلٌ أن يُفتح طريقٌ أو يُسدّ، ثم ماشٍ في أحدهما وناظرٌ ما يكون. فإن جاءت رؤيا فزيادة فضل لا آلة العمل — وللرؤيا صناعتها الطويلة عند المفسّرين، وقد أفردناها في كيف كان المعبّرون الأوائل يعملون.

والذي يُخبر به الناس أكثر أدقّ من الرؤيا وأصدق: انفراجٌ. يصير الوجه الذي كان لا يُطاق النظر إليه محتمَلًا، أو يثقل الوجه الذي كنت تميل إليه ثقلًا لا يزول بمرّ الأيام. واسمه في لسان القوم انشراح الصدر: سعةٌ بعد ضيق. وهو وصفٌ للبدن قبل أن يكون وصفًا للنفس، ومن أصاب قرارًا في عمره يعرفه بغير تعريف.

الترتيب الذي لا يُذكر، وهو الأصل

قلّما تُذكر الاستخارة عند المتقدّمين وحدها. هي ثالثةٌ في أربع، والأربع هي المنهج.

الأولى: الاستشارة. قبل الصلاة سؤال أهل العلم بالأمر. وليست هذه نافلةً من الأدب، بل نصٌّ: أمر الله نبيّه بمشاورة أصحابه في الأمر، وجعل الشورى وصفًا لازمًا لجماعة المؤمنين، «وأمرهم شورى بينهم». والترتيب مقصود: تستفرغ وسعك في الطلب أوّلًا. الاستخارة ليست بديلًا عن البحث، بل هي ما يُصنع بعد أن يفرغ البحث ويبقى الأمر مشتبهًا.

الثانية: الصلاة والدعاء. ركعتان، ثم الدعاء، وتسمّي حاجتك بعينها في موضع «هذا الأمر». سمّها معيّنة: لا «أمر عملي» بل «قبولي الوظيفة في المدينة الفلانية في الشهر الفلاني». فالسؤال المبهم يعقبه حالٌ مبهم.

الثالثة: العزم. وهنا تسقط الخطوة من أكثر ما يُكتب اليوم، وبسقوطها يتعطّل العمل كلّه. أنت مطالَبٌ أن تقرّر. لم تأتِ الاستخارة لتنوب عن القرار، بل لتتقدّمه. فإذا استشرتَ واستخرتَ، فاختر أرجح الوجهين عندك وامضِ.

الرابعة: التوكل. وحينئذٍ لا قبله. ولفظ القرآن دقيقٌ في الترتيب دقّةً لافتة: «فإذا عزمتَ فتوكّل على الله». العزم أوّلًا، والتوكل ثانيًا. لا توكّلٌ بدل العزم.

وهذا الترتيب هو الحكمة كلّها في سطر، وهو يقلب ما يظنّه الناس بالاستخارة. ليست طريقًا إلى أن تُخبَر، بل طريقًا إلى أن تُطلَق: أن تختار اختيارًا حقيقيًّا على علمٍ ناقص، ثم تكفّ عن إعادة محاكمة نفسك في الثلث الأخير من الليل.

في حقيقة التوكل، فقد أُسيء فهمه كثيرًا

في الخبر المشهور أنّ رجلًا ترك ناقته وقال أتوكّل، فقيل له: اعقلها وتوكّل. وفي هذه الكلمات تمام المذهب. التوكل يعمل في القدر الذي لا تملكه من الأمر، وفيه وحده. وليس بديلًا عن عقل الناقة.

وقد بسط الغزالي هذا في إحياء علوم الدين، فجعل التوكل مقامًا ذا درجات لا حالًا واحدة، وقرّر أنه يجامع تعاطي الأسباب ولا يرفعها. فالمتوكّل حقًّا ليس القاعد، بل الذي يستفرغ ما في وسعه ثم لا يضطرب لبقيّة الغيب، لأنه لم يكن معوّلًا على تمام حسابه أصلًا.

وثمرة هذا عمليّة: ليست آفة المتردّد قلّة الاجتهاد، بل ظنّه أنّ الغيب ينكشف لو زاد في التفكير. ولن ينكشف. في كلّ أمرٍ ذي بال جزءٌ محجوبٌ عنك ساعةَ يلزمك أن تختار. والتوكل اسمٌ لصلتك بذلك المحجوب، وحسن هذه الصلة هو الفرق بين من يقرّر ومن يؤجّل أبدًا.

ولذلك جعل السالكون التوكل مقامًا يُدرَّب لا خاطرًا يُنتظر، وجعلوا فوقه التفويض ثم الرضا: أن تسلّم الأمر، ثم أن تسكن إلى ما وقع. ومن سلك هذا وجد أنّ أثقل ما في القرار لم يكن الاختيار، بل شهوة اليقين قبله.

الهيكل نفسه بلا لسانه

انزع عن العمل لسانه، يبقَ لك هيكلٌ اهتدى إليه الباحثون في القرار من طريقٍ آخر، وهذا وحده دليلٌ على أنه يصف شيئًا واقعًا في طبيعة الاختيار.

نال هربرت سايمون جائزة نوبل في جملة ما نال بها على ملاحظة أنّ صاحب القرار الواقعيّ لا يطلب الأمثل، لأنّ طلب الأمثل يحتاج علمًا وحسابًا لا يملكهما أحد. وإنما يصنع ما سمّاه الاكتفاء بالكافي: يحدّ ما يكفي، ويبحث حتى يجده، ثم يأخذه. وإطاره الأوسع، العقلانية المحدودة، تقريرٌ بأنّ هذا ليس تكاسلًا بل هو الاستراتيجية الوحيدة المتاحة لمخلوقٍ محدود الوقت والعلم.

وقابِل بين هذا وبين ترتيب الاستخارة تجد المطابقة تامّة. استشِر: اجمع ما يُجمع. استخِر: أقرّ صراحةً وبلسانك أنّ الباقي لا يُغلق بمزيد نظر. اعزِم: اختر قبل أن يُغلق. توكّل: امتنع عن فتحه ثانية.

وللمناطقة صورةٌ لمن أبى هذا الترتيب: حمار بوريدان، وُضع بين عِدلَي تبنٍ متساويَين فهلك جوعًا إذ لم يجد مرجّحًا. والمزحة فيها نصل: إذا تقارب الوجهان حقًّا صار ثمن إطالة النظر أكبر من الفرق بينهما. وعند ذلك يكون الرشد في أن تختار — وفطنة التقليد أنّ الاختيار متعذّرٌ نفسيًّا ما لم تجد صلحًا مع ما تدع. ولهذا وُضعت الرابعة.

وقد سمّى كيركغور الفجوة نفسها من جهةٍ أخرى: ينقطع الدليل عند حدٍّ ويبقى عليك أن تتحرّك، ولا يحيل التأمّلُ الوثبةَ خطوة. وزاد وليم جيمس في إرادة الاعتقاد تفريقًا نافعًا: من الخيارات ما هو مُلجئ، بحيث يكون الامتناع عن الاختيار اختيارًا، وغالبًا أسوأ الاختيارَين. فالوظيفة التي لم تقبلها قرار، والعلاقة التي لم تُنهها قرار. وإصرار المتقدّمين على «العزم» هو هذا المعنى بعينه، سُبق إليه بسبعة قرون.

في أيّ القرارات تُعمل؟

ليس كلّ أمرٍ أهلًا لهذه الآلة، والتسوية بين الصغير والكبير داءٌ في نفسه. وهذا تقسيمٌ وجدناه يثبت:

ما يُرَدّ ورخيص. وهو أكثر الأمور. جرّبه، فإن أخطأت رجعت. وثمن طول النظر فيه أغلى من ثمن الخطأ. فاقطع سريعًا واصرف عنه قلبك.

ما يُرَدّ وغالٍ. كانتقال بلد أو تحوّل صنعة. يشقّ ردّه ولا يمتنع. يستأهل نظرًا ومشورةً واستخارة — ويستأهل أن تذكر أنّ للرجوع بابًا، فإنّ الناس يعاملون هذا الصنف معاملة الذي لا يُرَدّ فيصيبهم الشلل.

ما لا يُرَدّ. كنكاحٍ وولدٍ وبعض ما يُقطع من العهود. وهذا موضع الترتيب كلّه على مهل، وموضع أن تُؤخذ «عاقبة الأمر» مأخذ الجدّ لا مأخذ المرور. اسأل: كيف يبدو هذا في السنة الخامسة، لا في الأولى؟

ما ليس لك أصلًا. وهذا بابٌ يغفل عنه كثيرون. بعض ما يسهرك قرارُ غيرك تحاول أن تقرّره عنه. ولن يحسمه عملٌ، لأنه ليس إليك. ومعرفة ذلك هي الجواب كلّه في الغالب.

وثمّة خامسة تستحقّ التسمية: أن يكون الوجهان خيرًا جميعًا. ويجد الناس هذه الحال أشدّ من مقابلة خيرٍ بشرّ، وليس ينبغي. فإن كان الطريقان خيرًا فالأمر أهون ممّا تظنّ، وما تجد له غصّةً إنما هو ثمن السكنى في الزمان — أن تُعطى وجهًا فتُمنع آخر — لا خطأ توشك أن تقع فيه. وقول الدعاء «واقدر لي الخير حيث كان» موضوعٌ لهذه الحال بعينها.

منهجٌ تعمله في أسبوع

هذه صورةٌ أمينة للترتيب، صالحةٌ للعمل، تستغرق نحو أسبوع.

اليوم الأول: اكتب الأمر. جملةً واحدة معيّنة مؤرّخة. «هل أقبل العرض في المدينة الفلانية ابتداءً من الشهر الفلاني؟» لا «ماذا أصنع في شأن عملي؟». فإن عجزت عن كتابة الجملة فليس عندك قرارٌ بعد، وإنما عندك همٌّ، وللهمّ دواءٌ آخر.

اليوم الثاني: استشِر على وجهه. اثنان أو ثلاثة، لكلٍّ سببٌ في اختياره: من باشر ما تنوي، ومن يعرفك حتى يسمّي عادتك التي لا تراها، ومن لا حظّ له في النتيجة. اعرض عليهم الجملة المكتوبة لا صورتها المبهمة. وانظر أنّ التقليد قدّم هذا على الصلاة، فلا تُسقطه لأنه أثقلها على النفس.

اليوم الثالث: صلِّ واستخِر. ركعتان والدعاء، وتسمية الحاجة بلفظك. ومن لم يكن هذا لسانه فنظيره في البناء إقرارٌ مقصود، منطوقٌ، في خلوةٍ وعلى مهل: أنّك جمعت ما يُجمع، وأنّ فجوةً بقيت، وأنّك مختارٌ من غير أن تُغلقها، وأنّك راضٍ بما يكون. قله بصوتك. وليست هذه صورةً فارغة: المقصود أن تضع في الزمان حدًّا فاصلًا بين المداولة والقرار.

من الرابع إلى السابع: امشِ إلى بابٍ واحد. اختر أرجح الوجهين وابدأ العمل به كأنه استقرّ. لا إعلانًا ولا حرقًا للسفن — عملًا. اكتب مسوّدة القبول. انظر في الطريق. ثم راقب أمرَين: أينفتح الطريق أم يُسدّ، وأينشرح الصدر أم يزداد ضيقًا. واللفظ القديم للعلامة الطيّبة الانشراح، وترجمته الصادقة اليوم أنك تنام، وتكفّ عن مراجعة الحجج في رأسك.

اليوم السابع: اقطع، ثم كُفّ. ثم الرابعة، وهي أدب ألّا تعود تفتح. وهنا يسقط أكثر الناس، وينبغي أن تعلم سلفًا أنّ نفسك ستنازعك إلى النقض. والتوكل هو الامتناع عن ذلك بعينه.

ومن أحبّ أن يقطع هذا الأسبوع بمعيّة أحدٍ لا وحده، فتلك هي قراءتنا الروحانية: مجلسٌ يُحسن وضع السؤال ويعين على ترتيب مثل هذا الأسبوع.

وإن لم يظهر شيء

قد تعمل هذا كلّه فينقضي الأسبوع والأمر مشتبهٌ كما بدأ. وهذا يقع كثيرًا حتى استحقّ جوابًا مستقلًّا لا أن يُعدّ إخفاقًا.

وأربعةٌ تصدق في الغالب عند وقوعه. أن يكون السؤال أوسع من أن يُجاب — «هل أغيّر حياتي؟» لا جواب لها، و«هل أقدّم استقالتي هذا الشهر؟» لها جواب. أو أن يكون السؤال ليس لك كما مرّ. أو أن يكون الخبر لم يبلغ بعد، فيكون الصدق أنّ الأمر لم ينضج، وهذا جوابٌ لا مراوغة — وقد أفردنا لهذا الفصل مقالًا في موسم الانتظار. أو أن تكون قد قرّرت وإنما تطلب إذنًا لا هدى، وهذه ينبغي أن تُلاحظ برفق، فإنّ البدن يعلم أوّلًا والعقل يلحق بعد أسابيع.

والأخيرة أكثر ممّا يُقرّ به الناس. إن وجدت في نفسك راحةً حين يُسدّ أحد الطريقين بغير اختيارك، فقد عرفت جوابك ومعك منذ حين. لم يتعطّل العمل؛ عمل، ولكنك كرهت سرعته.

مسائل يكثر السؤال عنها

أتُعاد الاستخارة؟ نعم، ولا حرج في تكرارها ما دام الأمر قائمًا والقلب مترددًا، وقد نُقل عن السلف تكرارها سبعًا ولم يثبت في ذلك عددٌ لازم. والضابط العمليّ أنّ الإعادة تصحّ ما دامت من طلب الخير، فإذا صارت من قلّة الرضا بما ظهر فقد انقلبت إلى ضدّها. ومن أعاد الاستخارة سبع مرّات وهو يعرف جوابه في الأولى فليس يستخير، وإنما يساوم.

أيستخير المرء لغيره؟ الأصل أن يستخير صاحب الأمر لنفسه، لأنّ الدعاء معلّقٌ بحال الداعي ومعاشه وعاقبة أمره. ولا بأس أن يدعو لك أحدٌ بالخير والتيسير، ولكنّ ذلك دعاءٌ لا استخارة عنك. والوالد يستخير في أمر نفسه من جهة ولايته، لا نيابةً عن إرادة ولده البالغ.

ومن لم يقدر على الصلاة؟ كالحائض والمريض الذي لا يطيق، فيدعو بالدعاء من غير ركعتَين، وقد نصّ على جواز ذلك جماعةٌ من أهل العلم. والمقصود من العمل قائمٌ: الإقرار بالعجز، وطلب الخير، وسؤال الرضا.

أيخبر المستخير الناس؟ الأولى ألّا يجعل استخارته حجّةً في وجه المخالف، فيقول «استخرتُ فلا مراجعة». فإنّ الاستخارة ليست سندًا يُحتجّ به على الخلق، وإنما هي بينك وبين ربّك. وقد رأينا من يقطع بها المشورة، وذلك عكس ترتيبها، إذ المشورة قبلها لا بعدها.

وإن مضى الأمر ثم ساء؟ فليس ذلك دليلًا على أنّ الاستخارة لم تُستجب، ولا على أنك أخطأت القراءة. فالدعاء سأل الخير في الدين والمعاش وعاقبة الأمر، والعاقبة لم تُبلَغ بعد. وكم من أمرٍ ضاق في أوّله ثم كان فيه فرجٌ لم يكن ليأتي من طريقٍ آخر. والذي وُعِدتَه أن يُقدَّر لك الخير حيث كان، لا أن يكون الطريق مستويًا. ومن جعل سهولة الطريق ميزانًا لصحّة القرار حكم على أكثر ما هو نافع بالبطلان.

ومتى وقتها؟ لا يتعيّن لها وقت، وتصحّ في كلّ حين عدا أوقات النهي عن النافلة عند من يرى ذلك. والأحسن أن تكون في سكونٍ من الليل أو بعد صلاة، لا في زحمة النهار وأنت على عجلة، لأنّ المقصود حضور القلب لا أداء صورة.

الاستخارة وسائر أبواب الاستبصار

يسأل بعضهم: وأين تقع الاستخارة من سائر ما يُستضاء به — من قراءة الفنجان، ومن الخريطة، ومن تعبير الرؤيا؟ والجواب أنّ لكلٍّ بابًا ومقامًا، وليس بينها منافسة.

الاستخارة موضوعها الفعل: أقدِمُ أم أُحجم؟ وهي وحدها من بينها دعاءٌ يُرفع، لا قراءةٌ في علامة. وأمّا ما يُقرأ — من فنجانٍ أو كفٍّ أو خريطة — فموضوعه الحال: أين أنت الآن، وما الذي يعمل فيك ولم تسمّه بعد. وقد وصفنا في كيف تعمل قراءة الفنجان أنّ أنفع ما فيها إحضار ما تعرفه ولا تنطق به، وذلك مقامٌ سابقٌ على القرار لا بديلٌ عنه.

ومن أحسن ترتيب هذه الأبواب انتفع بها جميعًا: تُقرأ الحال لتُسمّى، وتُستشار الخبرة ليُستوفى العلم، وتُستخار الوجهة ليُقطع الأمر، ويُتوكّل بعد القطع. ومن خلط بينها طلب من كلّ بابٍ ما ليس عنده، فلم يُصب.

ثلاث صور من الواقع

الأولى: أمرُ نكاح. امرأةٌ خُطبت، والرجل صالحٌ في ظاهره، وأهلها راضون، وفي صدرها ضيقٌ لا تعرف له سببًا. فالخطأ أن تستخير قبل أن تسأل. والصواب أن تستشير أوّلًا: من يعرف الرجل عن قربٍ لا عن سماع، ومن يعرفها هي حتى يقول لها أهذا ضيق الفراسة أم ضيق الخوف من التغيير؟ فإذا استوفت الخبر وبقي الاشتباه، استخارت وسمّت الأمر بعينه، ثم مضت خطوةً واحدة — لقاءً ثانيًا مثلًا — ونظرت أينشرح الصدر أم يزداد. ولا يُقضى في هذا بأسبوع واحد إن كان الأمر ممّا لا يُرَدّ.

الثانية: أمرُ سفر. رجلٌ عُرض عليه عملٌ في بلدٍ آخر، والمال فيه أوفر، وأهله هنا. وهذا من الصنف الذي يُرَدّ بثمنٍ غالٍ لا الذي لا يُرَدّ، وأكثر الناس يعاملونه معاملة الأبد فيُشلّون. فالنافع أن يحدّ مدّةً للتجربة، ويسأل: ما الذي أعرفه بعد سنةٍ ولا أعرفه اليوم؟ فإن كان في السنة خبرٌ يُنتظر فالقرار قرارُ سنةٍ لا قرارُ عمر، وتُستخار على هذا الحدّ لا على أوسع منه.

الثالثة: أمرٌ ليس له. أبٌ يسهر في شأن ولده البالغ: أيتزوّج فلانة أم لا؟ وهو يستخير ويعيد ويكرّر ولا ينكشف له شيء. والسبب أنّ الأمر ليس إليه. فما له أن يستخير فيه هو نصيحته: أيقولها أم يسكت؟ أيعرض المال أم يمنع؟ وهذا سؤالٌ يُجاب. أمّا إرادة ولده فليست من أمره حتى يُستخار فيها. ومن أراد أن يقرّر عن غيره لم يجد جوابًا، لأنّ السؤال نفسه ليس مستقيمًا.

الاستخارة والعقل: لا تنازع بينهما

يظنّ بعض الناس أنّ الاستخارة تُعفي من النظر، وأنّ من استخار فقد كُفي مؤونة الموازنة. وهذا خلاف ما قرّره أهل العلم، وخلاف ترتيب العمل نفسه، إذ جُعلت المشورة قبلها.

ولذلك قال المحقّقون: إن كان الأمر بيّن المصلحة فامضِ فيه ولا تستخر في تركه، وإن كان بيّن المفسدة فدعه ولا تستخر في فعله. وإنما موضع الاستخارة ما تكافأت وجوهه أو خفيت عاقبته. فليست الاستخارة بابًا للكسل عن الطلب، بل أدبٌ لما بعد استفراغ الوسع.

وقد كان ابن سينا والبيروني وغيرهما من أهل النظر في هذه الأمّة يجمعون بين إعمال الآلة وبين التسليم لما وراء الآلة، ولم يرَوا في ذلك تناقضًا؛ لأنّ العلم عندهم يُبلّغك حدّه ثم يقف، والوقوف عند حدّ العلم عِلمٌ آخر. ومن أنكر أحد الطرفين أخلّ بالآخر: فمن ألغى النظر تواكل، ومن ألغى ما وراءه ادّعى إحاطةً ليست له.

ومن ثمرة هذا الجمع أنّ المستخير لا يلغي عقله، ولا يعتذر به. يوازن كما يوازن العاقل، ثم يقرّ أنّ الموازنة لا تبلغ الغيب، ثم يمضي. وهذا هو معنى قولهم: الاستخارة تمامٌ للتدبير لا بدلٌ منه.

موضع هذا من سائر المسائل

الاختيار واحدٌ من أسرةٍ صغيرة من المسائل تعاود المرء في عمره، ويشدّ بعضها بعضًا. وتحت كلّ قرارٍ سؤالٌ عن مقدار ما تملك من زمام أمرك أصلًا — وهو النزاع بين المكتوب والمختار، وقد بسطناه في ما كُتب وما هو لك. وإلى جانبه أدب المدّة التي لا يُقطع فيها أمر. فإذا كان القرار في الرزق والعمل فللمسألة عُقدها الخاصّة، وموضعها العمل والرزق والخروج الشريف. وإذا كان في إنسان — أتبقى أم تمضي — تغيّر الحساب، لأنّ إرادةً أخرى دخلت فيه، وذلك متى تُمسك ومتى تُرسل.

واثنتان أُخريان تنفعان هنا. مسألة ما يُوثق به من خاطر الصدر مبسوطةٌ في الحاسّة الهادئة، وفيها تفريقٌ دقيق بين الفراسة والوسواس، وعليه يقوم هذا العمل كلّه. وأدب السؤال نفسه، وأيّ المسائل يمتنع عنها العارف، في حين تقول القراءة لا.

وإن كان في سؤالك شقُّ توقيت — أهذا أوانه؟ — فالخريطة آلةٌ نافعة، وأشهر الدورات في قرارات أواخر العشرينيات وأواخر الخمسينيات موصوفةٌ في عودة زحل. وتستخرج خريطتك مجّانًا من حاسبة خريطة الميلاد؛ فإن كان الأمر متعلّقًا بإنسانٍ آخر فـأداة التوافق تصنع ذلك لخريطتَين معًا.

ما تعلّمه الاستخارة حقًّا

لبقاء هذا الترتيب أربعة عشر قرنًا سببٌ ليس هو أنه يورث اليقين. لا يورثه، ولم يدّعه يومًا.

الذي يورثه أدبٌ في احتمال الفجوة. يقول لك: أنت خلقٌ مضطرٌّ إلى العمل بعلمٍ ناقص، دائمًا وبلا استثناء، وما تجده من ضيقٍ بذلك ليس دليلًا على أنك أخطأت. هو الوصف الصادق لحال الإنسان. وهذا ما يُصنع به: اجمع، واسأل، واختر، وأطلِق. ثم اسكن في قرارك لا بجانبه.

ومن تعلّم هذا لم يصر أكثر إصابةً للوجه الرابح — لا يعد بذلك أحد. وإنما صار أحسن قرارًا في معنًى أغلى ثمنًا على مدى العمر: يكفّ عن نزف قوّته في أمرٍ قد فُرغ منه، فيبلغ القرار التالي وفيه بقيّة. وهذا ما يسأله قوله «ثم رضّني به»: لا الجواب الصحيح، بل سعةُ أن تطمئنّ إلى جوابٍ لن تعرف صوابه إلا بعد حين، إن عرفته.

وأكثر ما يشقّ في القرار ليس الاختيار. بل إرادة أن تستيقن قبله. علم القدماء ذلك، فبنَوا عملهم كلّه على هذا الأصل.

#روحانيات

حدّث ١٤ أغسطس ٢٠٢٦ · ٢ مشاهدة

المكتبة تُعلّم الحرفة. والقراءة تُنزلها عليك أنت.

احصل على قراءتك الشخصية
كيف تختار حين لا تعلم: الاستخارة عملًا لا انتظارًا