علمٌ يُضيء الطريق — كلمات تبقى معك

الحبر شاهدًا: «قيّدوا العلم بالكتاب» ينطبق على نفسك أيضًا

الحبر شاهدًا: «قيّدوا العلم بالكتاب» ينطبق على نفسك أيضًا

قال الأوّلون بتقييد العلم بالكتاب لأنّ الحفظ يخون. والحكم نفسه ينطبق على ما تعرفه عن نفسك، وللسبب نفسه بالضبط.

في تراثنا حكمٌ قديمٌ صار مثلًا: قيّدوا العلم بالكتاب. وأُثر في معناه كلامٌ كثير، وكان الباعث عليه واحدًا: أنّ الحفظ يخون، وأنّ ما لا يُقيَّد يذهب أو يتبدّل.

وقد جرى جدلٌ طويلٌ عند أهل الحديث في الكتابة والحفظ، وانتهى الأمر إلى التدوين، ولم يكن ذلك تهوينًا من الحافظة بل إنصافًا لها: فهي تُبدّل من غير أن تشعر.

ولم يكن الحكم في العلم وحده. فالقرآن حين أمر بكتابة الدَّين علّل ذلك: ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا. وكلّ حياة مكتوبة على كلّ حال؛ فيوم الحساب يُعطى كلّ امرئ كتابه ويقال له: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا. والدفتر الذي يُكتب بصدق نسخة صغيرة من ذلك الكتاب، تُكتب ما دام تصحيحها ممكنًا.

وهذه المقالة في أنّ الحكم نفسه ينطبق على ما تعرفه عن نفسك، وللسبب نفسه بالضبط.

الشاهدان الكاذبان اللذان تحلّ الورقة محلّهما

احكِ يومك لصديقٍ يتحسّن اليوم في الحكاية. الصديق يحبّك، وصوتك يحرّر لأجل السامع — لا كذبًا بل تلقائيًّا.

واحكِه لحافظتك يفسد في الاتّجاه الآخر. فالذاكرة ليست أرشيفًا. واسترجاع الشيء يجعله قابلًا للتعديل لحظةً، ثمّ يُخزَّن ثانيةً في صورةٍ يصوغها مزاج اللحظة التي استُرجع فيها — فيُعاد الحكم على الماضي كلّ ليلةٍ ليوافق هذه الليلة.

وبين الصديق المجامل والذاكرة المراجِعة شاهدٌ ثالثٌ ثمنه ثمن الورق. ما كتبتَه يوم الثلاثاء هو ما كتبتَه يوم الثلاثاء. ترجع إليه بعد أشهرٍ فلا يكون قد لان ولا حدّ ولا انحاز. وهذا العناد هو كلّ ما يُعرَض عليك.

قواعد من ممارسةٍ طويلة

أرِّخ كلّ شيء. فالقيد الذي يبدو تافهًا اليوم بيّنةٌ بعد سنة، والبيّنة بلا تاريخٍ ليست بيّنة.

دفترٌ واحدٌ لا خمسة. فالشهود المتفرّقون لا يشهدون. والتسلسل الواحد هو ما يُظهر النمط.

بخطّ اليد إن أطقت. لا لأنّ لوحة المفاتيح دنس، بل لأنّ اليد أبطأ من الفكر، والبطء يُلجئ إلى الانتقاء، والانتقاء هو التفكير.

لا تكتب لقارئ. فالورقة لا تُكتب إلا بين يديك وبين يدي من يعلم اليوم قبل أن تكتبه.

والإحراق مباح. فإذا كان الشيء أخطر من أن يُحفَظ فاكتبه تامًّا، واقرأه مرّةً، وأتلفه. الشاهد يخدمك لا تخدمه.

وماذا قاست التجارب

وقد قاس المختبر الحديث جزءًا ضيّقًا من هذا المعنى من جهته هو، ويحسن ذكر المقدار لا الإشادة وحدها.

منذ الثمانينات أُجريت تجارب الكتابة التعبيريّة مئات المرّات: خمس عشرة إلى عشرين دقيقةً في الكتابة عن تجربةٍ صعبة، أيّامًا متتالية، في مقابل مجموعةٍ ضابطةٍ تكتب في موضوعاتٍ محايدة. وأوسع تحليلٍ بَعديّ لها، نُشر سنة 2006، جمع الأدبيّات وأورد حجم أثرٍ متوسّطًا مقداره ‎0.075‎.

وهو صغير، وثابت عبر عدد كبير من التجارب، وذلك أكثر ممّا تستطيع أن تقوله أكثر ممارسات تطوير الذات. غير أنّ التجارب قاست شيئًا ضيّقًا — تغيّرًا في الصحّة والمزاج بعد أيّام من الكتابة — ولم تقس ما تُحفظ الورقة لأجله هنا: الشهادة، والمحاسبة، والنمط الذي لا يظهر إلا عبر سنة من القيود.

والأنفع في النتائج شرطها: الأثر أقوى حين تبني الكتابة حكايةً عبر الأيّام — تمضي من ما جرى إلى ما عناه — لا حين تفرغ الحلقة نفسها كلّ مرّة. وهو عين قاعدة الصنعة: الورقة تنفع حين تتحرّك. والوسوسة مكتوبةً وسوسةٌ بعدُ، وهو الخطّ نفسه الذي رسمناه في عودة المساء.

دفترٌ لا يُعاد قراءته ليس شاهدًا

وهذا ما يتخطّاه المبتدئ ويصرّ عليه صاحب الممارسة الطويلة.

الدفتر الذي لا يُقرأ ليس شاهدًا؛ هو مكبٌّ بغلافٍ أنيق. والقيمة لا تُودَع بالكتابة، وإنّما تُحصَّل بالعودة.

ودفتر الرؤى يستحقّ مكانه في الشهر الذي تعيد فيه قراءته فترى الجسر نفسه يتكرّر كلّما لاح قرار — وهو معجمك الخاصّ، وبناؤه في الطائر والسلّم والمفتاح. ودفتر الورقة اليوميّة يستحقّ مكانه حين تُريك سنةٌ من الصباحات أنّ ورقةً بعينها تسبق أحسن قراراتك لا أوحش أيّامك، وتلك المقابلة في ورقة كلّ يوم.

فاجعل لإعادة القراءة إيقاعًا ثابتًا كإيقاع الكتابة. والشهر يكفي. الكتابة إيداع، وإعادة القراءة فائدة، وأكثر الناس لا يقبضونها.

المهارة الصامتة تحت هذا كلّه

وتحت ذلك جميعًا تدرّب الورقةُ الملكةَ نفسها التي تدرّبها كلّ صنعةٍ في هذه المكتبة من جهةٍ أخرى: القدرة على النظر في ما هو كائنٌ فعلًا — في فنجانٍ أو ورقةٍ أو رؤيا أو يوم — قبل تقرير ما يعنيه.

والحبر يشتري لك الوقفة بين الرؤية والحكم. ولتلك الوقفة مقالٌ خاصّ هو الحسّ الهادئ، والورقة هي حيث تؤدّي تمارينها اليوميّة.

أسئلة متكرّرة

كم أكتب؟ خمس عشرة إلى عشرين دقيقة، كما في التجارب، تكفي. والزيادة لا تُحسّن وكثيرًا ما تنقلب حلقة.

أكلّ يوم؟ الدفتر الذي يحفظه التقليد يوميّ — والمحاسبة كلّ ليلة — والنمط لا يظهر إلا في تسلسل طويل. أمّا التجارب فاختبرت شيئًا أضيق: أيّامًا متتالية قليلة حول أمر صعب واحد، ولتلك الجولة القصيرة موضعها أيضًا.

أتُحتسب الكتابة على الجهاز؟ البحث في الغالب لم يفرّق، فاكتب بما ستكتب به فعلًا. وحجّة خطّ اليد في الانتقاء لا في الفضيلة.

وإن زادني ذلك سوءًا؟ يوم أو يومان من الثقل بعد الكتابة عن أمر شاقّ شائع ويزول. فإن لم يزل فتوقّف، واستعذ بالله، وتكلّم مع إنسان لا مع ورقة.

وماذا أفعل بالدفاتر القديمة؟ أعِد قراءتها على موعد، وأتلف ما يلزم إتلافه. وليس حفظ كلّ شيءٍ فضيلة.

أين تمضي بعد هذا

وإن آثرت ألّا تبدأ من صفحةٍ بيضاء فـالكون اليوميّ يعطيك كلّ يومٍ سطرًا تحفظه في يوميّاتك — وذلك مدخلٌ أرفق من دفترٍ خالٍ، ويؤرّخ نفسه. فإذا أظهرت لك إعادة القراءة شيئًا لا تعرف أين تضعه — العقدة نفسها تعود، والباب نفسه ينغلق — فالقراءة الروحانيّة تقرأ ما يعمل وراءه.

أصغر صورةٍ لهذا هي الليليّة في عودة المساء، والإيقاع الشهريّ الذي يسندها في العيش على إيقاع القمر. وكلاهما أحسن مع ورقة منه بغيرها.

#الممارسة اليومية

حدّث ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦، ٦١٨ مشاهدة

المكتبة تُعلّم الحرفة، والقراءة تُنزلها على حالك.

بدء قراءتك الشخصية