علمٌ يُضيء الطريق — كلمات تبقى معك

ما كُتب وما هو لك: في القدر والاختيار

ما كُتب وما هو لك: في القدر والاختيار

أقدم مسألة في الدنيا، محرّرة على وجهها: ما المقدَّر وما المتروك لك، ولماذا يغيّر الجواب طريقة عملك اليوم.

كلّ سؤال حمله إنسان إلى خريطة أو فنجان أو كفّ يسأل: «ماذا سيكون؟»، والصنعة تجيب عنه. وتحته سؤال أقدم منه يقرّر ما يُصنع بالجواب: كم من هذا بيدي أن أحرّكه؟

وللمسألة أثرٌ في العمل لا في النظر وحده. فإن كان كلّ شيء مفروغًا منه فالمداولة تمثيل والسعي زينة. وإن لم يكن شيءٌ مقدَّرًا فكلّ مصيبةٍ تقصيرٌ من صاحبها، وهذا مذهبٌ أقسى من الجبر وأشدّ إيلامًا. وأكثر الناس يعيشون بين المذهبَين من غير أن ينظروا في الأرض التي يقفون عليها.

وقد رُسمت هذه الأرض الوسطى رسمًا محكمًا في تقاليد لم يأخذ بعضها عن بعض، ثم انتهت إلى صورةٍ متقاربة على وجهٍ يلفت. وهذه المقالة تسير في ذلك الرسم — مسألة القدر عند المتكلّمين، وجواب اليونان واللاتين، وما صنعه شعراء الفرس، وما انتهى إليه فكر اليوم حين بلغ الأرض نفسها — وتنتهي حيث ينبغي: عند ما يتغيّر في صباح غد.

جوابان يسقطان

ابدأ بالقولَين اللذَين يبدوان بديهيَّين، وقد ردّهما كلّ تقليدٍ محقّق.

الأول: الجبر التامّ؛ كلّ شيءٍ مكتوب ولا يغيّر عملُك منه شيئًا. وهو مغرٍ لأنه يرفع التبعة، ولكنه ينهار عند أوّل ملامسةٍ لكيفيّة عيش الناس. لا أحد يعتقده ساعةَ الاختيار. والقائل بأنّ الأمر مفروغٌ منه يلتفت يمينًا وشمالًا قبل عبور الطريق.

والثاني: أن تكون أنت وحدك مؤلّف حياتك، وأنّ النتائج أجرٌ دقيقٌ للجهد. وهذا دينُ كثيرٍ من كلام النصح المعاصر، وهو أقسى ممّا يبدو. يلزم منه أنّ المولود في حربٍ استحقّ حربه، وأنّ المرض ضعفٌ في الروح، وأنّ من كدح وخسر لم يُرد بما يكفي. وهو، إن أُخذ على وجهه، قسوةٌ بلسان التحفيز.

والجوابان جميعًا فرار من ضيق واحد: أنّ الحياة مقدَّرة ومختارة معًا، وأنّ النصيبين لا يأتيان موسومين. والتقاليد التي تستحقّ القراءة هي التي أقامت في هذا الحقّ ولم تهرب منه.

التحرير عند أهل الكلام: لا جبر ولا تفويض

حرّر المتكلّمون هذه المسألة تحريرًا دقيقًا، لأنّ ما عليها ظاهر: قدرةٌ إلهيّة في جهة، وتكليفٌ ومسؤوليّة في جهة، ولا رغبة في التخلّي عن واحدةٍ منهما.

والطرفان النافعان هنا هما اللذان رُدّا معًا. فـالجبريّة قالت إنّ العبد مجبور، لا فعل له في الحقيقة، كالريشة في مهبّ الريح. والقدريّة ثم كثيرٌ من المعتزلة قالوا إنّ العبد يخلق فعله، فلا تنال القدرةُ الإلهيّة أفعاله. فالأوّل يبطل التكليف، والثاني — في نظر مخالفيه — يقتطع من الوجود منطقةً لا تنالها القدرة.

وجاء التحرير الوسط على يد أبي الحسن الأشعري ومن تبعه، وهو من اللطف بحيث يُذكر على وجهه: الفعل مخلوقٌ لله، ومكتسَبٌ للعبد — والاصطلاح «الكسب». فلستَ منشئًا للقدرة التي بها تفعل، وأنت مالكٌ للفعل حقيقةً، ومن ثمّ مسؤولٌ عنه حقيقةً. وشدّ الماتريدي ومدرسته على واقعيّة اختيار العبد داخل هذا الإطار، فجعلوا للإرادة عملًا أبْيَن.

وثمّة عبارةٌ سائرة تلخّص التحرير خيرًا من كلّ اختصارٍ فنّي: لا جبر ولا تفويض، بل أمرٌ بين أمرَين. وهذه الجملة تعمل عملًا فلسفيًّا حقيقيًّا: ترفض المهربَين وتصرّ على أنّ الحقّ في الوسط غير المريح.

ولمّا سأل الصحابة رسول الله ﷺ: أفلا نتّكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا، فكلٌّ ميسَّر لما خُلق له، ثم قرأ: فأمّا من أعطى واتّقى وصدّق بالحسنى فسنيسّره لليسرى. فلم يكن الكتاب قطّ داعيًا إلى القعود، بل هو الأرض التي يقوم عليها العمل.

فما اللوح المحفوظ إذًا؟ التحرير عند المحقّقين أنه وصفٌ لعلم الله لا آلةٌ للإكراه. وكونُ الشيء معلومًا سلفًا لا يجعله مُلجَأً إليه. وهذا الفرق هو مِفصَل المسألة كلّها، وقد حُرّر بأدقّ ممّا حُرّر به هنا على يد رجلٍ روميّ في سجنه.

مراتب القدر الأربع، وفائدتها العمليّة

حرّر المتأخّرون القدر في أربع مراتب، وذكرها هنا ليس ترفًا اصطلاحيًّا؛ فبها ينحلّ أكثر ما يقع فيه الناس من إشكال.

الأولى: العلم. أنّ الله يعلم ما كان وما يكون. وقد مرّ أنّ العلم بالشيء لا يوجبه، وهذا هو المفصل.

الثانية: الكتابة. أنّ ذلك مكتوبٌ محفوظ. والكتابة تابعةٌ للعلم، فهي وصفٌ له لا آلةُ إكراه.

الثالثة: المشيئة. أنّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وهنا موضع الدقّة: المشيئة عامّة، والأمر الشرعيّ غير الإرادة الكونيّة. فقد يقع ما لا يُحبّه سبحانه وقوعًا، ولا يلزم من وقوعه رضاه به. وبهذا التفريق يزول أكبر إشكال: أنّ وقوع الشرّ لا يعني أنه محبوب.

الرابعة: الخلق. أنّ الله خالق كلّ شيء، ومنه أفعال العباد. وهنا يدخل «الكسب» المتقدّم: خلقٌ من جهة، واكتسابٌ من جهة.

وفائدة هذا التقسيم في العمل أنه يمنعك من الخلط بين «معلوم» و«مُلجَأ إليه»، وبين «واقع بالمشيئة» و«مرضيٌّ عنه». وأكثر ما يُقعِد الناس عن العمل خلطُ هذه الأربع في كلمةٍ واحدة يسمّونها «مكتوب».

هل يردّ الدعاء القدر؟ وقصّة عمر والطاعون

يسأل السائل: إن كان كلّ شيء مقدّرًا فما فائدة الدعاء؟ وقد أجاب أهل العلم بجواب لطيف: الدعاء نفسه من القدر. فليس الدعاء اعتراضًا على المكتوب، بل هو من أسباب المكتوب. قال تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب، وقال ﷺ: لا يردّ القضاءَ إلا الدعاء. ففرّق العلماء بين قضاء مبرم لا يتبدّل، وقضاء معلّق على أسبابه: قدّر الله البلاء معلّقًا على ترك الدعاء، وقدّر رفعه معلّقًا على وقوعه. فأنت حين تدعو تعمل داخل النظام لا خارجه.

وهذا الجواب نفسه يصلح للأسباب كلّها. سُئل ﷺ: أرأيتَ رُقًى نسترقيها، ودواءً نتداوى به، وتُقاةً نتّقيها، هل تردّ من قدر الله شيئًا؟ فقال: هي من قدر الله. فالرقية من القدر، والدواء من القدر، وفكّ السحر ورفع العين من القدر، والحرث والدراسة من القدر. ومن ترك السبب محتجًّا بالقدر فقد ترك قدرًا واحتجّ بقدر.

وأصرح ما في الباب قصّةٌ مشهورة: خرج عمر بن الخطّاب إلى الشام فبلغه أنّ الطاعون قد وقع بها، فاستشار ثم عزم على الرجوع. فقيل له: أفرارًا من قدر الله؟ فقال: نفرّ من قدر الله إلى قدر الله.

وقف عند هذه الجملة، فإنها تحسم المسألة كلّها في ستّ كلمات. الرجوع قدر كما أنّ المضيّ قدر. فليس بين يديك «قدرٌ» و«خروجٌ عن القدر»؛ بل بين يديك قدران، وأنت تختار أيّهما تسلك. ومن فهم هذا لم يعد يستعمل القدر حجّةً على ترك التدبير، لأنّ التدبير نفسه صار داخل القدر لا خارجه.

وأتمّ منها أنّ الحاضرين احتجّوا عليه، فجاء من أخبرهم بسنّةٍ في الأمر: لا تقدموا على أرضٍ بها وباء ولا تخرجوا منها فرارًا. فصار في الأمر أدبٌ عمليّ لا مجرّد كلام: الحجْر الصحّي بلغة اليوم. وانظر أنّ التقليد لم يجعل القدر عذرًا في ترك الاحتياط، بل جعل الاحتياط جزءًا من القدر.

بوئثيوس وأجود ما قيل في الباب

كتب بوئثيوس كتاب عزاء الفلسفة وهو ينتظر القتل نحو سنة 524م، وفيه أنظف حلٍّ للمسألة في أيّ لسان.

والاعتراض الذي واجهه: إن كان المستقبل معلومًا فهو ثابت، وإن ثبت فاختياري وهم. وجوابه يدور على طبيعة العلم لا على طبيعة المستقبل. فالعلم — كما يقرّر — يتبع رتبة العالِم لا رتبة المعلوم. والموجود خارج الزمان لا يستشرف اختيارك كما تستشرف أنت طقس غد، متتابعًا من قبلُ؛ بل يراه كما ترى أنت ما بين يديك الآن: حاضرًا، واقعًا، غير مُكرَهٍ برؤيتك إيّاه.

وانظر كيف يعمل هذا، فإنه محكم. أنت ترى رجلًا يمشي في الطريق. ورؤيتك إيّاه ماشيًا لا تجعله يمشي. فعلمك يقينٌ وفعله اختيارٌ، في آنٍ واحد، بلا تناقض. ودعوى بوئثيوس أنّ الزمان كلّه بهذه النسبة إلى الأزل: لا قبلَ ولا بعد، بل حضورٌ واحد. فيسقط التنازع بين سبق العلم وبين الاختيار ساعةَ تكفّ عن تصوّر العالِم جالسًا في الماضي.

ثم إنه يردّ الاعتبار إلى الحظّ، وهذا نافعٌ عمليًّا. فالحظّ عنده ليس خبيثًا؛ هو ببساطة ليس لك. وصورة عجلته المشهورة تقرّر المعنى: ما ارتفع نزل، والخطأ ليس أن تكون على العجلة — فالكلّ عليها — بل أن تحسب العجلة أرضًا ثابتة. والحزن إنما يجيء من أنك ظننت العارية مِلكًا.

الصورة اليونانيّة والفخّ الذي فيها

جعل اليونان القدر فوق الآلهة أنفسهم: المويراي يغزلن ويقدّرن ويقطعن، وحتى كبير الآلهة يساوم ولا يأمر.

ولكنّ القصّة التي تُساق للجبر تقول عكس ما يُظنّ بها. فـأوديب لم يهلك لأنّ النبوءة صدقت، بل لِما صنعه بالنبوءة. أبواه حاولا قتل الرضيع؛ وهو فرّ ممّن ظنّهما أبوَيه؛ وكلّ خطوةٍ مهلكة إنما خُطيت في محاولة الفرار. انزع الهربَ المذعور تسقط المأساة من أصلها.

وعلى هذه القراءة ليست المسرحية درسًا في أنّ النبوءة تخطئ؛ فقد صدقت حرفًا بحرف. بل هي درس في كيف تُتلقّى القراءة الصادقة. عامل أوديب ما أُخبر به معاملة الحكم ففرّ منه مذعورًا، فكان الفرار هو الطريق. ونصيحة التقليد عند القراءة الشديدة على العكس: أن تستقبلها بالأسباب — الاستعاذة والدعاء والصدقة، والعلاج الذي تدلّ عليه القراءة نفسها. ولهذا يسمّي أهل الصنعة الشدّة إذا رأوها مقبلة ويسمّون معها ما يدفعها، ولهذا لا يحدّد قارئ في هذا البيت أجل أحد أبدًا؛ وقد بسطنا كيف يُعطى الجواب الشديد في حين تقول القراءة لا.

وأخذ الرواقيّون الكونَ نفسه فاستخرجوا منه رياضةً عمليّة. يفتتح إبكتيتوس مختصره بالقسمة التي عليها المدار: من الأمور ما هو إلينا — الحكم والنيّة والاستجابة — ومنها ما ليس إلينا، والشقاء كلّه من الخلط بينهما. وقد وُلد عبدًا وكان أعرج، فله أن يقول.

وماركوس أوريليوس، وهو يكتب لنفسه في التأمّلات ويسوس إمبراطوريّة، يطبّقها على الصغير دائمًا: لا تملك الرجل الذي أساء إليك، وإنما تملك ما تصنعه بذلك. ثم جاء حبّ القدر اسمًا للغاية القصوى من هذه الرياضة: لا استسلامًا — فذاك انفعال — بل ما هو أشقّ: أن تريد ما وقع فعلًا، لأنّ مقاتلة الماضي حربٌ خسرتها قبل أن تبدأ.

ما صنعه شعراء الفرس

احتمل الأدب الفارسيّ هذا التوتّر خيرًا من أكثر الآداب، وأكثرُ ذلك بأنه أبى أن يحلّه.

وعمر الخيّام أشهر من أنشد نغمة القدر: الإصبع تكتب ثم تمضي. ولكن اقرأ الرباعيّات كاملةً تجد الخلاصة ليست شللًا بل حضورًا — إذ انغلق الماضي فأقبِل على الكأس التي بين يديك. فالجبر عنده رافعةٌ للانتباه لا عذرٌ للغياب.

والفردوسي في الشاهنامه أقسى وأعمق. أبطاله يُخبَرون بمصائرهم ثم يمضون، ونُبلهم قائمٌ في كيفيّة حملهم ما لا يملكون تغييره. ومأساة رستم ليست أنّ القدر غلبه، بل أنه سلك مسلك الرجال لا مسلك الدُّمى، وكان الثمن ثمنه.

والرومي في المثنوي يعطي المسألة أجود صورها، ويجريها على لسان أسد يجيب وحوشًا تريد التوكّل وحده: قال النبيّ بصوت عالٍ — مع التوكّل اعقل ركبة البعير. ثم يقول: قد وضع ربّ العباد سلّمًا بين أقدامنا، فالصعود إلى السطح درجةً درجة، والجبر هنا طمعٌ فجّ. لك رجلان، فلِمَ تجعل نفسك أعرج؟

وسعدي في الگلستان يضع القاعدة في بيتين: الرزق وإن كان آتيًا لا محالة، فشرط العقل أن يُطلب من الأبواب؛ ولا يموت أحد قبل أجله، ومع ذلك لا تمشِ إلى فم التنّين. والترتيب هو الترتيب نفسه في هذا الباب كلّه: القدر من فوق، والأسباب في يديك، ولا يغني أحدهما عن الآخر.

ما تقوله صناعة النجوم على وجهها

هنا يسأل الناس: أتكون الخريطة نصًّا مكتوبًا؟ وقد أجاب أهل الصنعة عن ذلك بتحرير.

والقاعدة التي جرت في التقليد: النجوم تميل ولا تُلجئ. وليست هذه تلطيفًا حديثًا أُضيف ليُستساغ الفنّ؛ هي قول أهل الصنعة أنفسهم، وهي لازمة عن الكلام المتقدّم. فالخريطة تدلّ على ما هو آتٍ بعلامات وقرائن — حوادث ومواسم، وأبواب تُفتح وشدائد تمرّ، ومواقيت كلّ منها — والغيب لله. وما تدلّ عليه حقّ، وهو يميل: يسهّل أمورًا ويُغلي أخرى في يوم بعينه، ومن عرف الطقس لقيه مستعدًّا. ولكنّه لا يخرجك من دارك.

وقرّر أبو معشر البلخي في المدخل الكبير أنّ حركات الأفلاك دالّة على ما يحدث في عالم الكون والفساد، وبيّن وجوه تلك الدلالات وكيف تُقرأ، وعلّم البيروني أوائل الصناعة في التفهيم بالدقّة التي أعطاها للفلك. وافتتح بطلميوس الرباعيّة بالدفاع عن تقدمة المعرفة: أنّها علم حقيقيّ بما هو آتٍ، ونافع، إذ ما عُرف قبل وقوعه أمكن الاستعداد له، وكثير منه يُلقى ويُصرف في وقته، كما يلقى الطبيب مرضًا يراه مقبلًا.

ولهذا كانت القراءة تزيدك حرّيّة لا تنقصها. فالقراءة التي ترى شهرًا عسيرًا لضرب من الإقدام تخبرك به — الكلفة هذا الشهر أعلى منها في المقبل، والعائق هنا، والباب يُفتح هناك — وهذا بعينه العلم الذي يعمل به الحرّ. وقد قرّرنا هذا في أشهر ما يُساء فهمه في عطارد ليس عدوّك، وفي الدورة التي تُعلِم التحوّلات البنيويّة في عودة زحل.

ويقرن بهذا معرفةُ كم في الخريطة ممّا يخصّك أنت لا ممّا يعمّ — فالشمس موضعٌ واحد بين مواضع، كما بسطنا في ما تحويه خريطة الميلاد حقًّا. وتستخرجها كاملةً مجّانًا من حاسبة خريطة الميلاد.

ما بلغه فكر اليوم

وفي الفكر الحديث إسهامان يحسن أن تعرفهما، وكلاهما ينتهي قريبًا من أرض كانت التقاليد تقف عليها.

الأوّل: فصل المقدَّر عن المحسوب. وكان شيطان لابلاس صورة عقل لو علم مواضع الذرّات وسرعاتها لحسب المستقبل كلّه. ثم أغلقت نظريّة الشواش هذا الطريق: ففي الأنظمة المحكومة بالقانون تمامًا تكبر فروق أصغر من أن تُقاس حتى تحسم المآل — وهو أثر الفراشة. وانظر أيّ طريق أغلقت. فالتقاليد لم تطلب ما هو آتٍ بإحصاء الذرّات قطّ، بل قرأته في العلامات — السماء، والرؤيا الصادقة، والفنجان، والكفّ — وهي تحمل ما يُقبل جملةً ولا تجمعه قطعةً قطعة، وعلى هذه الأرض وقفت القراءة دائمًا.

والثاني: التوافقيّة، وهي مذهب أكثر الفلاسفة العاملين اليوم: ليست الحرّيّة انتفاءَ الأسباب، بل انتفاءَ السبب من النوع الفاسد. فالفعل حرٌّ إذا صدر عن مداولتك وخُلقك لا عن إكراهٍ أو قسر. وعلى هذا فكونُ اختيارك معلَّلًا — بتاريخك ومزاجك والخريطة التي وُلدت تحتها — لا يجعله أقلّ نسبةً إليك؛ بل هو الذي يجعله لك لا عشوائيًّا.

وتأمّل أنّ هذا ينتهي إلى ما ينتهي إليه «الكسب» تقريبًا، بلغةٍ أخرى ومن طريقٍ آخر وبعد ألف سنة. وإذا التقى تقليدان لا صلة بينهما على بناءٍ واحد، فالغالب أنّ البناء يصف شيئًا واقعًا.

ما هو معطى وما هو لك

وهذه أنفع صياغةٍ وجدناها، وليست تلفيقًا بل تحريرًا:

المعطى هو القيد، والذي لك هو الجواب. تأتي الحياة وفيها كثير مفروغ منه: القرن، والبلد، والأهل، والبدن، والمزاج، واللسان الذي سمعته أوّلًا. لم يختر أحد شيئًا من ذلك، وادّعاء خلافه هو القسوة التي وصفناها. وداخل هذه القيود ميدان للعمل واسع على غير ما يُظنّ، وهو أوسع من الجهد وحده: الدعاء الذي أخبر ﷺ أنّه يردّ القضاء، والصدقة، والاستخارة التي تطلب خير الطريقين، والعمل الروحانيّ الذي يفكّ ما عُمل للإنسان من سحر ويفتح ما أُغلق عليه من رزق أو قبول. وكلّ ذلك لك أن تأخذ به.

والتمثيل الصحيح ليس بالنصّ المكتوب بل بالوزن. القصيدة مقيّدةٌ ببحرٍ وقافية، ومع ذلك لا تشبه قصيدةٌ أخرى، والقيدُ هو الذي يجعل البراعة مرئيّة. ولم يقل أحدٌ إنّ البحر هو الذي نظم القصيدة.

وينشأ عن هذا سؤالٌ يُوجَّه إلى كلّ حالٍ تُقلقك: أيّ هذا قيدٌ وأيّه جواب؟ وأكثر الكرب إنما يجيء من العمل في النصف الخطأ — غضبًا على قيدٍ لا يتزحزح، أو تسليمًا لما كان في يدك دائمًا. وثمرة هذه المسألة القديمة كلّها أن تحسن التمييز بين النصفَين.

وأدب العمل بهذا التمييز مبسوطٌ في كيف تختار حين لا تعلم، وهو التوأم العمليّ لهذه المقالة؛ وأدب المدّة التي لم يُرفع فيها القيد بعدُ هو موسم الانتظار.

ثلاثة مواضع يقع فيها الأثر

عند وقوع المصيبة. يعود الجوابان الساقطان في صورتَي عذاب: «كان مكتوبًا» فيُغلق باب الحزن، و«كان ينبغي أن أمنعه» فيصنع الذنب مما قُدّر. وكلاهما محاولةٌ لجعل الحادث معقولًا. والقول الوسط يبيح ما هو أشقّ وأصدق: أنه ليس ذنبك وأنّ جوابك الآن لك. ويجتمعان.

عند الإقدام على مخاطرة. يقول الجبر: النتيجة ثابتة فلمَ تسعى؟ ويقول التأليف الذاتي: كلّ إخفاقٍ ذنبك، فيثقل الحمل حتى تجمد. ويقول الوسط: النتيجة ليست كلّها بيدك، والسعي بيدك، والقرار الجيّد يُحكَم عليه بجودة المداولة لا بالمآل وحده. وهذه الأخيرة هي التي تُمكّن الناس من المخاطرة المعقولة أصلًا.

عند تعلّق الأمر بإنسان آخر. وهو أبين المواضع. قلب غيرك لا يحرّكه الضغط ولا الإلحاح عليه ولا مزيد جهد منك، وكثير من العذاب إنما يجيء من المحاولة. والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء، ولذلك يطلب التقليد ولا يدفع: الدعاء، وعمل جلب الحبيب الذي يردّ القلب، بإذن الله. ومعرفة أنّ الباب ما زال مفتوحًا قراءة، وفتحه ذلك العمل. وقد بسطنا هذا الاختيار في متى تمسك ومتى ترسل، وفي سياق العمل — حيث يُجلب الرزق على النحو نفسه — في العمل والرزق والخروج الشريف.

الصبر والرضا والتسليم: ثلاث مقامات لا مقام واحد

يخلط الناس بين ثلاث كلماتٍ يظنّونها مترادفة، وبينها فروقٌ عمليّة تنفع في وقتها.

الصبر حبس النفس عن الجزع مع بقاء الألم. وهو أوّل المقامات وأدناها، وليس في ذلك انتقاصٌ له؛ فالصابر يجد المرارة ولا ينهار، وهذا كثير. ولا يُطلب من الصابر أن يحبّ ما نزل به.

الرضا سكونٌ إلى الحكم بعد وقوعه، بحيث لا تنازع القلبَ رغبةٌ في أن يكون الأمر على غير ما كان. وهو فوق الصبر، ولا يُتكلّف؛ من تكلّفه قبل أوانه أنتج نفاقًا مع نفسه.

التسليم أوسعها: أن تُخلّي بين الأمر وبين مدبّره، فلا تطلب علّةً ولا تشترط بيانًا. وهذا مقام الخاصّة، ولا يُدرك بالمجاهدة وحدها.

وفائدة التفريق أنّك تعرف ما يُطلب منك اليوم. فمن نزلت به نازلةٌ منذ أسبوع فمطلوبه الصبر لا الرضا، ومن طالبه واعظٌ بالرضا في أسبوعه الأوّل فقد كلّفه ما لا يطيق، وربّما أورثه شعورًا بالذنب فوق مصيبته. والمقامات تُرتّب ولا تُقفز.

ومن هنا يُعلم خطأ من يعزّي المفجوع بأن يقول له «ارضَ». الرضا ثمرةٌ تنضج، لا أمرٌ يُلقى. والذي يُقال في الأسبوع الأوّل: اصبر، ولا تُطالَب بأكثر.

وينبغي أن يُقال أخيرًا إنّ هذا الباب لم يكن عند المتقدّمين بابَ جدلٍ فحسب، بل بابَ تربية. فما أرادوا من العبد أن يحرّر المسألة تحريرًا نظريًّا ثم يمضي كما كان؛ أرادوا أن ينقلب فعله. والعلامة على أنّ المرء فهم القدر ليست أن يحسن الكلام فيه، بل أن يقلّ تسخّطه ويزيد سعيه في آنٍ واحد. وهذان لا يجتمعان إلا لمن عرف أين ينتهي حدّه وأين يبتدئ.

وقد قيل: من عرف أنّ الأمر ليس إليه استراح، ومن عرف أنّ العمل إليه اجتهد. فإذا اجتمعت الراحة والاجتهاد في قلبٍ واحد فقد أصاب صاحبه ما أرادته هذه المسألة كلّها. وما عدا ذلك فكلامٌ يُحسن قوله ولا يُغيّر شيئًا.

«كلّ شيء يحدث لحكمة» — وما يقال ساعة الفقد

تستحقّ هذه الجملة فصلًا مستقلًّا، فهي أكثر ما يقال للمنكوب، وهي حقّ كثيرًا ما يوضع في غير موضعه.

وهي حقّ على الوجه الذي يقرّره التقليد: لا يصيب العبدَ شيء خارج علم الله وحكمته، وقد قال ﷺ: عجبًا لأمر المؤمن، إنّ أمره كلّه خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له. وإنما يقع الخطأ في الساعة وفي الاستعمال. فإذا قيلت لأمّ ثكلى في ساعتها الأولى، تعليلًا لأخذ ولدها، صارت سدًّا لفمها، وما استعملها التقليد كذلك قطّ.

وفي التقاليد التي عرضناها ما يمسك الحكمة والحزن معًا، ويحسن أن يكون حاضرًا عندك فستحتاجه. فبوئثيوس تعلّمه الفلسفة في سجنه أنّ كلّ حظّ خير — يثيب أو يؤدّب أو يقوّي — مع إقرارها بأنّ النظام لا يُرى كاملًا إلا من علوّ العناية، لا من داخل الزنزانة. والرواقيّ يقرّر أنّ جوابه عن العاصفة له. وبكى رسول الله ﷺ عند موت ابنه إبراهيم وقال: إنّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون. فالحكمة لله، والدمع لم يُمنع على أعلم الخلق بها.

ومن هنا تخرج الكلمات التي تقال بدلًا، وهي أقدم منّا جميعًا: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. تقال مع المفجوع لا عليه، فتمسك القدر ولا تتكلّف تعليل الفقد. ثم ابقَ معه؛ فما كان الفقد لأجله، وما فيه من خير، ليس عليه أن يحسمه في أسبوعه الأوّل.

وفيها حفظ لأمر يستحقّ الحفظ: حقّك في الحزن. فالتقليد يسمّي الفقد مصيبة، ويطلب الصبر لا أن تُنكر الألم. والرضا بالقضاء مقام عالٍ يمدحه التقليد، ولم يكن معناه قطّ وجهًا بلا دموع.

وجاء في الحديث: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن ولا أذى ولا غمّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه. فهو وعد بعوض لا يكذّب حسّك بأنّ ما وقع مؤلم، ولا يطالبك بأن تسمّي الألم لذّة.

تمرينٌ، فالمقصود العمل

يصير الكلام النظريّ نافعًا ساعةَ يُكتب في عمودَين. خذ ما يشغلك الآن واخطط الخطّ.

العمود الأيمن — القيد. ما هو ثابتٌ حقًّا، على الأقلّ في أمد هذا القرار. ما وقع فعلًا. تاريخك. السوق. التشخيص. سنة مولدك. وكن صادقًا كريمًا في ملء هذا العمود، فإنّ الهوى يميل إلى تقصيره كِبرًا.

العمود الأيسر — الجواب. ما هو لك حقًّا: ما تقوله بعد قليل، وما تكفّ عنه، وما تطلبه — من الناس ومن الله — وما ترضى به، والأسباب التي تأخذ بها، ووقت حركتك أنت. وهذا العمود أقلّ خواءً مما يبدو في الثلث الأخير من الليل.

وقاعدتان يستقيم بهما التمرين. الأولى: لا يُكتب بندٌ في العمودَين معًا؛ ألزِم نفسك الاختيار، فإنّ في الالتباس يسكن الشلل. والثانية: أرّخ عمود القيد — فـ«ثابتٌ هذه السنة» غير «ثابتٌ أبدًا»، وكثيرٌ من البنود ينتقل إلى عمود الجواب إذا مددتَ الأفق.

ثم اصرف جهدك إلى عمود الجواب، وسلّم عمود القيد إلى الله بالدعاء، فهو العمل الوحيد الذي أخبر التقليد أنّه يبلغه. والجهد المصروف في دفع عمود القيد هو بعينه العمل الذي يُنهك الناس ولا يغيّر شيئًا؛ وأكثر ما نسمّيه همًّا كدحٌ في العمود الخطأ.

وإن أردت أن تعرف ما يتحرّك حقًّا في حالك — ما يُقبل عليك، وما يحبسه، وما يمكن تحريكه وبأيّ الأسباب — فذلك ما تقرؤه قراءتنا الروحانيّة. والخريطة تبيّن أيّ فصل أنت فيه ومتى ينقلب — تستخرجها مجانًا من الحاسبة، أو تقابل خريطتين بأداة التوافق إن كان الأمر متعلّقًا بإنسان آخر.

لماذا يبقى الجواب غير مريح

كلّ محاولةٍ لحسم هذه المسألة حسمًا نظيفًا أخفقت، وفي الإخفاق فائدةٌ لا خجل. فادفع القول إلى الجبر التامّ تفقد القدرة على وصف حياتك؛ إذ لا تستطيع أن تتداول أصلًا إلا وأنت مفترضٌ أنّ للمداولة أثرًا. وادفعه إلى التأليف الذاتيّ التامّ تُنتج عالَمًا يكون فيه المنكوب مذنبًا.

والتقاليد التي بقيت هي التي أمسكت بالطرفَين ولم تُرخِ التوتّر: لا جبر ولا تفويض؛ اعقلها وتوكّل؛ منها ما هو إلينا ومنها ما ليس إلينا؛ القيد معطى والجواب مملوك. أربعة تقاليد وبناءٌ واحد.

والمطلوب منك عادة التقليد نفسه: أن تسأل عند كلّ منزلة في أيّ النصفين أنت، ثم تأخذ بالأسباب بكلّ جهدك، وتكل المآل إلى من يقدّره. وهذه رياضة عمر لا تنتهي. غير أنّها تحوّل أقدم سؤال في الدنيا إلى شيء تنتفع به قبل الظهر، وهذا أكثر مما تصنعه أكثر الفلسفة.

وتبقى لك الجزئيّة التي لم تكن قطّ محلّ نزاع: مهما يكن المكتوب، فأسبابه مكتوبة معه — والأسباب في يديك.

#روحانيات

حدّث ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦، ٤٩٣ مشاهدة

المكتبة تُعلّم الحرفة، والقراءة تُنزلها على حالك.

بدء قراءتك الشخصية