شيءٌ يليق بالسماء يُصاغ لأجلكم — الافتتاح الرسمي يقترب، وأبوابه تُفتَح لكم أولًا.

علمٌ يُضيء الطريق — كلمات تبقى معك

موسم الانتظار: حين تصنع كلّ شيء ولا يتحرّك شيء

موسم الانتظار: حين تصنع كلّ شيء ولا يتحرّك شيء

كيف تفرّق بين انتظارٍ حقّ وبين هربٍ يلبس ثوبه، وما الصبر على وجهه، وأربع رياضاتٍ تجعل المدّة عمارةً لا ضياعًا.

ثمّة إعياءٌ لا يجيء من كثرة العمل، بل من أنك عملتَ على وجهه ثم وقفتَ تنظر فلا شيء يقع. أُرسلت الأوراق، وجرى الحديث، وبُدئ الدواء. والدنيا التي كان ينبغي أن تجيب لم تُجب.

وهذا من أقلّ الأحوال ذكرًا في كلام النصح، لأنّ النصح مصنوعٌ لمن يحتاج أن يعمل، وهنا العمل قد فُرغ منه. فلم يبقَ إلا مدّة — وللمدّة صناعتها التي لا يكاد أحدٌ يعلّمها.

وقد اشتغل بهذا كلّ تقليدٍ تعبّديّ، لأنّ أهله أقاموا فيه طويلًا. وهذه خلاصة ما وجدوا: ما الصبر على الحقيقة — وليس هو ما يظنّه أكثر الناس — وكيف تميّز موسم الانتظار الحقّ من الهرب المتزيّي بزيّه، وأربعة أشياء تحوّل المدّة من زمنٍ ضائع إلى الفصل الذي يتبيّن بعد حينٍ أنه كان الأهمّ.

أوّلًا: التفريق الذي عليه المدار

ثلاثة أحوالٍ تتشابه من الخارج وتقتضي أجوبةً متضادّة، والخلط بينها أغلى خطأٍ في هذا الباب.

الانتظار أن يتمّ العمل ولا يكون تعجيل النتيجة إليك. البذر في الأرض، والكتاب قد أُرسل. والزيادة في الجهد الآن لا تنفع، وربّما ضرّت.

الوقوف أن يكون ثمّة عملٌ متاح لم تهتدِ إليه. وهو يشبه الانتظار، ولهذا كان خطرًا. وامتحانه يسير وفيه قسوة: لو نظر في أمري صاحب خبرةٍ ناصح، أكان يرى حركةً لا أصنعها؟ فإن كان نعم فليس هذا موسم انتظار، بل مشكلةٌ لبست ثوبه.

الهرب أن يكون العمل متاحًا وقد عرفتَه وأنت ممتنعٌ عنه، وغالبًا لأنه مخيف. وهذا أكثر ما يتزيّى بزيّ الصبر، وزيُّه مقنعٌ لأنّ الهرب والصبر يُنتجان تقويمًا واحدًا. والعلامة الفارقة بدنيّة: الانتظار الحقّ ثقيلٌ ساكن، وفي الهرب طرفٌ من الراحة، والراحة هي الدليل.

فقبل أن ينطبق شيءٌ ممّا في هذه المقالة، أجرِ هذه الثلاثة. وأكثر ما يسمّيه الناس موسم انتظارٍ هو أحد الآخرَين، وعلاجهما: اطلب الحركة، أو اصنع المخيف.

ما الصبر على الحقيقة

مادّة «ص ب ر» في أصلها الحبس والشدّ والمنع. ومنه قيل للدواء المرّ صبِر، وقيل: قُتل فلانٌ صبرًا، أي مُسِك ومُنِع. فالصبر أقرب إلى الرباط منه إلى الاسترخاء.

وهذا الاشتقاق يقلب تصوّر العمل كلّه: ليس الصبر انتفاء الجهد، بل جهدٌ صُرف إلى الداخل بدل الخارج. أنت لا تصنع لا شيء؛ أنت تمسك شيئًا — نفسك في الغالب — لولا إمساكك لتبدّد.

وقسّمه أهل العلم ثلاثة أقسام، والقسمة نافعة لأنّ أكثر الناس يُحسن واحدًا منها:

صبرٌ على الطاعة: الثبات الذي يبلغ بك السنة الرابعة من التعلّم، والشهر العاشر من المرض، والوسط غير البهيّ من كلّ أمرٍ يستحقّ أن يُتمّ.

صبرٌ عن المعصية: الكفّ الذي لا يرسل الرسالة، ولا يتفقّد الخبر، ولا يقبل العرض الرديء لمجرّد أن ينتهي ضيق التعليق. وهذا أشدّ الأقسام صلةً بموسم الانتظار، وأقلّها تدريبًا في الناس.

صبرٌ على المقدور: احتمال النازلة من غير انهيارٍ ومن غير مرارة، وهما إخفاقان لا إخفاق واحد.

وانظر أنّ الثالث وحده فيه شيءٌ من التسليم، وأمّا الأوّلان فكدحٌ ظاهر. ومن أمسك موقفًا شاقًّا — وفى بعهدٍ في شهرٍ عسير، أو ردّ مخرجًا سهلًا — يعلم أنّ هذا عملٌ يُتعب، وأنه من الخارج لا يُرى.

وقتان لا وقتٌ واحد

فرّق اليونان بين كرونوس — الزمن المتتابع الذي يُقاس بالساعات — وبين كايروس، وهو الأوان: اللحظة التي يصير فيها الفعل ممكنًا وما كان ممكنًا قبلها.

وليس هذا تفريقًا شعريًّا بل عمليًّا، وهو يسمّي بالضبط سبب الحيرة في مواسم الانتظار. أنت تعيش في الزمن المتتابع، حيث تمضي الأيام ولا يتبدّل شيء، والذي تحتاجه من جنس الأوان، والأوان لا يجيء بمواعيد. وهذا التفاوت هو الألم: تقيس بآلةٍ غير آلته فتحكم — خطأً — بأنّ شيئًا لا يحدث.

والصورة التي تحت الكلمة صورة الملّاح. للمدّ ساعةٌ ينقلب فيها، ومن أقلع قبلها نازع الماء طول الطريق. فليس الانتظار ضياعًا؛ هو ثمن عبورٍ سيبدو بعدُ يسيرًا. ومن رأى إنسانًا استقام أمره «فجأة» يعلم أنّ قبل ذلك مدّةً كانت تُرى في حينها فشلًا.

وهذا هو الاستعمال الصادق للخريطة: لا أن تُخبر بالمآل، بل أن تصف الأحوال والأوقات. فأن يُقال لك إنّ الفصل غير مواتٍ لضربٍ من الإقدام خبرٌ ينتفع به الحرّ: أن تنتظر شهرًا، أو تصرف المدّة في غير ما كنت، أو تكفّ عن قراءة الركود على أنه حكمٌ في قدرك. وقد بسطنا أشهر ما يُساء فهمه في عطارد ليس عدوّك، والدورة الكبرى في عودة زحل. وتستخرج خريطتك من حاسبة خريطة الميلاد.

العتبة، ولماذا تبدو خواءً

سمّى علم الإنسان هذه الحال باسمٍ دقيق. وجد أرنولد فان جينيب وهو يدرس طقوس العبور بناءً ثلاثيًّا في كلّ مكان: انفصالٌ عن الحال الأولى، ثم طورٌ وسط، ثم إدماجٌ في الحال الجديدة. وطوّر فيكتور تيرنر الطور الوسط وسمّاه العَتَبيّة، من العتبة.

وما وصفه تيرنر لهذا الطور ينطبق على موسم الانتظار انطباقًا مزعجًا في دقّته. صاحبه ملتبس البنية: لم يعد ما كان، ولم يصر ما سيكون. وتتوقّف علامات المنزلة عن العمل. ويبدو الزمان معلّقًا. والذي يستحقّ العلم به: أنّ المجتمعات القديمة لم تعدّ هذا خللًا. جعلت له طقسًا، وحدّدت له مدّة، وأعطته معنى. فالمتدرّب في الخلاء لم يكن فاشلًا؛ كان في الوسط، والوسط معلومٌ أنه لازم.

وقد أبقت الحياة الحديثة الانتقالات وألغت الطقوس، فصار الناس يعبرون العتبات بلا إطارٍ ولا لفظٍ إلا «فيّ خلل». وكثيرٌ من كرب موسم الانتظار ليس من الانتظار؛ هو من غياب بناءٍ يقول: هذا الطور موجود، وهو معتاد، وله شكل، وله نهاية.

ويحسن أن يُقال هذا صريحًا لمن هو فيه الآن: لستَ معطوبًا. أنت بين بنيتَين، وهذه حالٌ إنسانيّة معروفة لها أدبٌ مكتوب، وما تجده من تشوّشٍ عَرَضٌ موصوفٌ لها لا شهادةٌ في حقّك.

البَوار ليس موتًا

وصورة الأرض أقدم الصور وأحسنها، لأنّ المعنى فيها حقيقيٌّ لا مجازيّ.

الأرض التي تُترك بورًا ليست عاطلة. تُردّ إليها خصوبتها، ويستريح بناؤها، وتنقطع دورة العشب الضارّ. ولا شيء من ذلك يُرى من الباب. ومن حكم على الأرض البور بما يرى قضى بأنها خربت، فبذرها قبل أوانها، فنقص محصوله سنين.

ويلزم من هذا أمران نافعان. الأوّل: أنّ خفاء العمل ليس دليلًا على انقطاعه. والثاني — وهو الذي يُغفل — أنّ البَوار قرار لا حادثة. الأرض تُراح عمدًا. وفرقٌ بين أرضٍ أُريحت وأرضٍ أُهملت، والفرق كلّه في نيّة صاحبها.

ومن هنا الصياغة التي تغيّر إحساس المدّة: قد تكون في موسم انتظارٍ عارض، وقد تكون في موسمٍ مقصود، والحوادث واحدة. والفارق أنك قرّرتَ أنّ هذا فصل راحةٍ وإعداد، أو أنك تحتمل غياب ما تريد لا غير. تقويمٌ واحد، وتجربتان مختلفتان، والاختيار متاحٌ حقًّا.

قصّتان هما في هذا الباب

يوسف عليه السلام يقيم سنين بين الجبّ والعرش، وفيها سجنٌ طويل بتهمةٍ باطلة، وفيها تفصيلٌ قاسٍ: الذي أعانه ووعد أن يذكره نسي، وكلّف النسيانُ سنين زائدة. ولا تعامل القصّة تلك السنين على أنها فراغٌ بين الفصول المهمّة؛ فيها تكوّن ما لزم للخاتمة، والنصّ صريحٌ أنّ المعبّر الذي أنقذ أمّةً تعلّم صنعته في الحبس.

وأبوه يعقوب يحمل عبارة الباب: فصبرٌ جميل. والوصف يحمل ثقلًا عظيمًا. لا صبرٌ متجلّد ولا صبرٌ مستسلم: جميل. وأكثر ما فُسّر به أنه صبرٌ لا شكوى فيه إلى الخلق — فيعقوب يحزن ظاهرًا، ويبكي حتى يذهب بصره، ويوجّه الشكوى إلى فوق لا إلى الناس، إذ قال: إنما أشكو بثّي وحُزني إلى الله. فليست العبارة تكليفًا لك بالسكينة الظاهرة؛ هي تفريقٌ بين الحزن — وهو مأذونٌ فيه بل مُكرَم — وبين المرارة التي تنخر.

وأيّوب يقرّر المعنى من الجهة الأخرى، ويحسن تصحيح الصورة الشائعة. فأيّوب في النصّ ليس ساكتًا راضيًا؛ هو يدعو ويشكو ويسأل. ولكنه لا يسخط ولا يقنط. وحفظه التقليد إمامًا في الصبر مع أنّ النصّ يريه شاكيًا — وهذا يخبرك أنّ الفضيلة لم تكن يومًا مشروطةً بالسكوت.

وفي الباب كلمةٌ جامعة: وبشّر الصابرين؛ ثم قوله: إنّ مع العسر يسرًا. و«مع» غير «بعد». والفرق عمليّ: لا يقول النصّ إنّ اليسر يأتي إذا انقضى العسر، بل إنه مصاحبٌ له. أي أنّ في المدّة نفسها شيئًا يعمل، لا في نهايتها فقط.

البذرة في الظلمة

أوضح صورةٍ لهذا الباب البذرة. توضع في الظلمة، وتنشقّ، ويبدو عليها من الخارج أثر الفساد. ولو نظر إليها ناظرٌ في يومها العاشر لقال: هلكت. والحقّ أنّ الانشقاق هو أوّل الحياة لا آخرها.

وقد ضرب القرآن هذا المثل في غير موضع، وضربه المعلّمون بعده. ووجه الشبه دقيق: ليس المقصود أنّ كلّ ظلمةٍ تُثمر، بل أنّ الإثمار لا يكون إلا بعد ظلمة. فالنظر وحده لا يفرّق بين بذرةٍ تنشقّ وبذرةٍ تعفن، ولهذا كان الصبر مطلوبًا: لأنّ الفرق لا يُرى في حينه.

وثمرة هذا عمليّة: لا تحكم على المدّة بما يظهر منها. وليس هذا دعوةً إلى العمى، فالمراجعة في موعدها تصحّح؛ إنما هو منعٌ من الحكم اليوميّ الذي يُفسد أكثر ممّا يصلح. ومن فتح على البذرة كلّ يومٍ ليرى أنبتت أم لا، أهلكها بيده.

ما يُفسد المدّة

وكما أنّ للمدّة ما يعمرها فلها ما يخربها، وأربعةٌ هي أشدّها.

الأوّل: المقارنة. أن تقيس فصلك بفصول الناس. ولا شيء أسرع إلى إفساد الصبر منها، لأنّ الناس لا يعرضون مددهم؛ يعرضون خواتيمها. فأنت تقابل داخلك بخارجهم، والقياس فاسدٌ من أصله.

الثاني: إعادة الحساب. أن تفتح الملفّ كلّ ليلة فتُحصي ما فاتك. وهذا كدحٌ بلا ثمرة، وهو الذي يُنهك أهل الانتظار أكثر من الانتظار نفسه.

الثالث: العزلة. ينزع صاحب المدّة إلى الانقطاع، لأنّ السؤال «ما الجديد؟» ثقيل. وهذا النزوع مفهوم وهو ضارّ، ولهذا جُعل المجلس الأسبوعيّ في الرياضات الأربع؛ لا لأنّه ممتع، بل لأنّه يمنع الذوبان.

الرابع: تعليق الحياة كلّها. أن تقول: أبدأ حين ينفرج. فيؤجَّل التعلّم والصلة والسفر والفرح، وتصير المدّة كلّها غرفة انتظار. وهذا هو الفرق بين من يعيش في مدّته ومن يعيش على حافّتها.

ومن سلم من هذه الأربع فقد سلمت له مدّته، وإن طالت.

أربع رياضاتٍ تُعمّر المدّة

الأولى: أقم صورةً للوقت. كلّ تقليدٍ تعبّديّ يقابل الزمن الرخو ببناءٍ ثابت: أوقات صلاة، وردٌ راتب، خلوةٌ محدودة المدّة كـالاعتكاف. والقاعدة أنّ البناء الخارجيّ إذا سقط وجب أن يُصنع بناءٌ داخليّ عمدًا، وإلا ذابت الأيام. وعمليًّا: وقتُ استيقاظٍ ثابت، وعملٌ واحدٌ راتبٌ في ساعةٍ واحدة كلّ يوم، ومجلسٌ واحدٌ في الأسبوع مع إنسان. يبدو هذا يسيرًا، وهو أعلى ما يُثمر في هذه المواسم.

الثانية: اقصر الأفق. أكثر الألم في المدّة مصنوعٌ من النظر إليها كلّها. لا أحد يطيق انتظارًا بلا حدّ، وكلّ أحدٍ يطيق يومه. وليس هذا خداعًا للنفس؛ هو المقياس الصحيح لمدّةٍ لا تُرى نهايتها. فاحكم على اليوم بعمل اليوم لا بانفراج الأمر.

الثالثة: اعمل ما جاور. الذي تنتظره مسدود، وما بجانبه غالبًا مفتوح. تُشحذ الآلة وإن لم تأتِ الصنعة. وهذه هي التي تحوّل المدّة من ضياعٍ إلى إعداد، وهي وحدها التي تجعل الناس يقولون بعدُ إنّ الانتظار هو الذي صنعهم.

الرابعة: اضرب موعدًا للمراجعة لا للنهاية. ليس إليك متى يأتي الجواب. وإليك متى تعيد النظر: أهذا انتظارٌ بعد، أم صار وقوفًا أو هربًا؟ ضع في التقويم موعدًا — شهرًا أو ثلاثة — وفيه أعِد الامتحان الثلاثيّ الذي في صدر المقالة. وهذا هو الذي يمنع الأرض المُراحة أن تصير أرضًا مهملة من غير أن تنتبه.

ومن أحبّ أن يجري هذه المراجعة بمعيّة أحدٍ لا وحده، فتلك قراءتنا الروحانية؛ وإن كانت المدّة متعلّقةً بإنسانٍ آخر فـأداة التوافق تنظر في خريطتَين معًا.

ثلاث مدد من الواقع

طلبُ عملٍ سكت. أربعون طلبًا، وأربع مقابلات، ولا عرض. وهذه أحوج الصور إلى الامتحان الثلاثيّ، فإنها في الغالب ليست انتظارًا أصلًا. فإن كانت الطلبات تُلقى في المواقع ولا شيء وراءها فثمّة حركةٌ متاحة — الناس لا الاستمارات — والركود وقوفٌ لا بَوار. وإن كان الطلب واسعًا حقًّا والسوق بطيئًا حقًّا فهو انتظار، والعمل المجاور هو الرياضة كلّها: تُشحذ الصنعة، ويُبنى المعروض، وتُوصَل الأرحام والمعارف. فاحكم على الأسبوع بما بنيتَ لا بما ورد إليك.

علاقةٌ معلّقة. طلب أحدٌ مهلةً أو لم يحسم، وأنت ممسكٌ موقفًا بلا أجل. وهذا أشقّ الأنواع، لأنّ المآل معلّقٌ بإرادة إنسانٍ آخر، وهي قيدٌ لا متغيّر. والرياضة هنا الرابعة — موعد المراجعة — وينبغي أن يكون صادقًا: شهرٌ، لا «حين يستعدّ»، فإنّ «حين يستعدّ» أفقٌ يتراجع كلّما مشيتَ إليه. والذي تقرّره في ذلك اليوم ليس جوابه بل رضاك أنت بمواصلة الانتظار، وهذا لك وحدك.

مرضٌ أو نقاهةٌ تبطئ. وهنا تكون صورة الأرض حقيقيّةً لا مجازيّة: الشفاء عملٌ خفيٌّ يصنعه البدن بمواقيته، والعجلة تضرّ حقًّا. والرياضة المناسبة الثانية — قصر الأفق — والإذن المناسب أنك غير مكلّفٍ بأن تكون منتجًا. وقد يكون العمل المجاور في النقاهة هو الراحة نفسها، والراحة تُحتسب.

مسائل يكثر السؤال عنها

كم يطول الانتظار؟ لا جواب، وهذا نفسه جواب. والذي يُملَك تحديدُه ليس مدّة الانتظار بل مدّة الدورة: أن تقول أراجع بعد شهر. فأنت لا تحدّ الغيب، وإنما تحدّ التزامك.

أأدعو في المدّة أم أكفّ؟ بل ادعُ، فالدعاء من العمل لا من التعطيل، وقد بسطنا وجهه في ما كُتب وما هو لك. والذي يُترك ليس الدعاء بل إعادة الحساب كلّ ليلة.

أحدّث الناس بما أنا فيه؟ واحدًا أو اثنين، لا كلّ من سأل. فالإفضاء إلى العدد الكثير يُنهك، والكتمان التامّ يُوحش. والوسط: أن يكون لك شاهدٌ واحد يعرف تفصيل أمرك.

أخطّط للاحتمال الآخر؟ نعم، وهذا ليس نقصًا في الرجاء. أن تُعِدّ خطّةً ثانية عملٌ من أعمال العقل، وليس خيانةً للأولى. ومن رفض النظر في الاحتمال الآخر لم يزد رجاءه قوّةً، وإنما زاد سقوطه ارتفاعًا.

وإن ضاق صدري جدًّا؟ فاطلب من يعينك، ولا تجعل الصبر بابًا للاحتمال وحدك. فليس من الصبر أن تحمل ما يُهلكك صامتًا؛ الصبر أن تحمل ما تطيق، وأن تطلب العون على ما لا تطيق. وقد سبق أنّ يعقوب شكا، وأنّ أيّوب شكا، ولم يخرجهما ذلك من إمامة الصابرين.

ما يُقال لمن هو في هذا الموسم

ولأنك ستكون بجوار موسم انتظارٍ أكثر ممّا تكون فيه، فاعلم ما ينفع. وثلاثةٌ تنفع دائمًا.

سمِّ الفصل بصوتك. فأكثر من هو في مدّةٍ يعتقد في سرّه أنه فاشل. وقولك «هذه مرحلةٌ شاقّة وليست شهادةً في حقّك» أنفع من كلّ نصيحة، لأنه يقدّم البناء الغائب.

وكن محدّدًا في الزمن. فقولك «سيأتي» غير مصدَّق، وفيه إيهامٌ بأنك تعلم ما لا تعلم. وقولك «سأسأل عنك في أوّل الشهر القادم» مصدَّق، وفيه مؤانسةٌ على أفقٍ لا يُرى آخره.

واعرض العمل المجاور لا النتيجة. فلستَ تملك أن تأتي بالوظيفة ولا بالعافية. وتملك أن تنظر في الأوراق، وأن تصل بمعرفة، وأن تجلس في المجلس. وقد اتّفقت التقاليد على أنّ الحضور هو الذي ينتقل، وأنّ النصيحة في الغالب لا تنتقل.

ما يُصنع في المدّة: من فقه الاعتكاف

في هذه الملّة صورةٌ للمدّة المقصودة اسمها الاعتكاف: أن يلزم المرء موضعًا مدّةً معلومة، منقطعًا عن شواغله. والذي يعنينا هنا بناؤه لا حكمه: مدّةٌ محدودة، ومكانٌ معيّن، وعملٌ راتب، ونيّةٌ مقصودة.

وأربعتها هي بعينها ما ينقص من يقع في انتظارٍ غير مقصود. فالمدّة عنده مفتوحة، والمكان متبدّد، والعمل متقطّع، والنيّة معدومة إذ لم يخترها. فإن أنت أخذت هذه الأربعة ونقلتها إلى موسمك — أن تسمّي له مدّةً تراجعه عندها، وأن تجعل له موضعًا وساعة، وأن تنوي أنه فصل إعدادٍ لا فراغ — فقد حوّلت الواقع عليك إلى المختار.

وهذا هو الفرق بين من يعتكف ومن يُحبس: الحادث واحد والمعنى مختلف. وليس هذا تلاعبًا بالألفاظ؛ من جرّبه عرف أنّ الأيام نفسها تُحتمل على وجهٍ آخر.

ممّا قد تكون المدّة حاميةً لك

وثمّة معنًى يُمسك ولا يُلقى على المكروب في أوّل أسبوعه: أنّ من المدد ما هو تأخير، ومنها ما هو منعٌ عن شيءٍ كنت لتأخذه ولا ينبغي لك. الوظيفة التي لم تتمّ في شهرٍ كنت فيه مضطرًّا. والإنسان الذي لم يعد الاتّصال يوم كنت تقبل أيّ شيء. وقليلٌ من يرى هذا في حينه، وأكثر الناس يرونه بعد خمس سنين.

ولا يُقال هذا لمن هو في أوّل بلائه، فذلك هو الخطأ الذي حرّرناه في ما كُتب وما هو لك، حيث بيّنّا لماذا تجرح عبارة «كلّ شيء لحكمة». ولكنه إذا أُمسك في السرّ احتمالًا لا يقينًا عمل عملًا حقيقيًّا: يبيح لك أن تظنّ أنّ الركود ليس بالضرورة حكمًا في قيمتك — وهو الظنّ الذي يعجز عنه أكثر من في هذا الموسم.

الانتظار في العشرة الأولى وفي السنة الثانية: ليسا واحدًا

يخطئ الناصحون حين يعاملون المدد كلّها معاملةً واحدة، والحقّ أنّ لكلّ طورٍ من الانتظار حكمًا.

الأيّام الأولى. وفيها الصدمة، والمطلوب فيها أقلّ ممّا يظنّ صاحبها: أن ينام، وأن يأكل، وأن يخبر إنسانًا واحدًا. ولا يُطالَب في هذا الطور بمعنًى ولا بخطّة، ومن طالب نفسه بهما في أسبوعه الأوّل أضاف إلى بلائه ذنبًا لا وجه له.

الأسابيع الأولى. وفيها يبدأ البناء: الوقت الراتب، والعمل المجاور. وهذا أوانها لا قبله.

الشهور. وهنا يظهر الخطر الحقيقيّ: أن تستقرّ المدّة وتصير هويّة. فيقول المرء «أنا الذي ينتظر»، فيبني عليها كلامه ومجلسه. ولهذا وُضعت المراجعة، ولهذا كان سؤالها: أهذا انتظارٌ بعدُ أم صار عادة؟

السنة الثانية. وقلّ من يبلغها، ومن بلغها فحاجته إلى إعادة تعريف المطلوب لا إلى مزيد صبر. فالذي انتظرتَه سنتَين قد تغيّرتَ أنت في أثنائه، وربّما لم يعد هو الذي تريد. وهذا سؤالٌ يُطرح برفقٍ ولا يُهرَب منه.

وجملة الأمر أنّ الصبر ليس حالًا واحدة تُستدام، بل سلسلة أحوالٍ لكلٍّ منها عملها. ومن استعمل دواء الطور الأوّل في الطور الثالث لم يُصب.

متى ينتهي الانتظار

قلّما ينتهي موسم الانتظار بإعلان. وثلاث علاماتٍ يُعوّل عليها.

الأولى: أن يصير عملٌ متاحًا لم يكن — لا عملًا كنت تتحاماه، بل عملًا لم يكن موجودًا. وهذا هو الأوان، ويجيء غالبًا أصغر ممّا يُتوقّع: رسالة، أو بابٌ فُتح، أو إنسانٌ صار يُبلغ إليه.

الثانية: أن يكفّ الذي تنتظره عن أن يكون مركز انتباهك. ويسبق هذا الانفراجَ في الغالب لا يتبعه، ويستوحش الناس منه وهو معتاد تمامًا.

والثالثة وأثقلها: أن ينتهي الموسم لأنّ الجواب لا، وأنّ الانتظار كان لشيءٍ لن يجيء. وهذه نهايةٌ أيضًا، وحقّها أن تُسمّى نهايةً لا أن تُمَدّ برجاءٍ صار عادة. ومعرفة انتهاء الشيء صناعةٌ شاقّةٌ أفردناها في متى تُمسك ومتى تُرسل.

وما جاور هذا الباب قريب. وأدب الاختيار على علمٍ ناقص في كيف تختار حين لا تعلم. وإن كان الواقف هو أمر العمل فعُقده في العمل والرزق والخروج الشريف. وسؤال: أهذا القلق إشارةٌ أم وسواس؟ موضعه الحاسّة الهادئة.

الانتظار مع الناس لا وحدك

أكثر ما كُتب في الصبر كُتب بصيغة المفرد، وهذا نقصٌ في العرض لا في الأصل. فالتقاليد التي بنت هذه المعاني بنتها في جماعات: حِلَقٍ ومساجدَ وأربطة، لا في عزلةٍ تامّة. والخلوة عندهم مؤقّتة ومقصودة، ويعقبها رجوعٌ إلى الجماعة.

وفي هذا درسٌ عمليّ لمن طالت مدّته: أنّ الاحتمال يقلّ كلفةً إذا شُهد. وليس المقصود أن تُحدّث الناس بتفصيل أمرك — فقد مرّ أنّ الواحد أو الاثنين يكفيان — بل أن تبقى في مجالس الناس وإن لم يكن عندك جديد. فأثقل ما في الانتظار سؤال «ما الأخبار؟» ومن هرب منه هرب من الناس، ثم وجد نفسه بعد أشهر بلا أحد.

والحيلة في هذا يسيرة: أن تُعِدّ جوابًا قصيرًا صادقًا تقوله ثم تنتقل. «ما زال الأمر معلّقًا، وأنا مشغولٌ بكذا.» فلا تكذب ولا تُعيد فتح الملفّ في كلّ مجلس.

ومن حِكم القوم أنّ العبد يُحمل في جماعةٍ ما لا يُحمل وحده. وهذا مشاهَد: الصائم في رمضان يجد الصوم أخفّ، وليس الجوع أقلّ، وإنما المُعِين أكثر.

وقد قيل: من لم يصبر على شدّة التعلّم صبر على ذلّ الجهل. والمعنى جارٍ في كلّ باب: ثمنٌ يُدفع في الأوّل، أو ثمنٌ أغلى يُدفع طول العمر. وليس في الأمر خيارٌ بين صبرٍ وراحة، وإنما بين صبرٍ قصيرٍ مقصود وصبرٍ طويلٍ مفروض.

الذي يستحقّ أن يُؤخذ من هذا كلّه

تتّفق التقاليد، على تباعد ألسنتها، على أنّ المدّة ليست وقفةً بين فصول العمر، بل فصلٌ منها.

وهي دعوى يسهل قولها ويعسر تصديقها وأنت فيها. غير أنّ لها لازمًا يُختبر، ولهذا كانت أنفع من التشجيع: فمن عبر انتظارًا طويلًا عبورًا حسنًا لا يكاد يصف تلك المدّة بالخواء إذا التفت إليها. يصفها بأنها الفصل الذي رُكّب فيه ما لم يكن ليُركَّب وهو يجري: صنعةً، أو بصيرة، أو سعةً في الصدر، أو صحبة، أو تصحيح وجهةٍ ما كان ليصحّحها لو بقي الطريق الأوّل مفتوحًا.

لا تملك أن تقصّر الموسم. وتملك أن تقرّر أهو بَوارٌ أم إهمال، وهذا القرار لك حقًّا، وهو تقريبًا كلّ ما هو لك هنا. وهو — كما يتّفق — يكفي.

#تطوير ذاتي

حدّث ١٤ أغسطس ٢٠٢٦ · ٢ مشاهدة

المكتبة تُعلّم الحرفة. والقراءة تُنزلها عليك أنت.

احصل على قراءتك الشخصية
موسم الانتظار: حين تصنع كلّ شيء ولا يتحرّك شيء