شيءٌ يليق بالسماء يُصاغ لأجلكم — الافتتاح الرسمي يقترب، وأبوابه تُفتَح لكم أولًا.

علمٌ يُضيء الطريق — كلمات تبقى معك

العين والحسد: فرقٌ يغيّر فهم الباب كلّه

العين والحسد: فرقٌ يغيّر فهم الباب كلّه

ليست المسألة سوء نيّة. فالنظرة التي تُصيب — في أكثر الروايات — نظرة إعجاب، وهذا وحده يقلب فهم العادات كلّها.

في لساننا كلمتان يخلط بينهما كثيرون، والفرق بينهما هو مفتاح هذا الباب كلّه: العين والحسد.

الحاسد يتمنّى زوال ما عندك. وهذا قصدٌ وإرادة، والنفس تعرف من نفسها إن كانت فيها. أمّا العين فشيءٌ آخر: نظرةٌ تقع على ما يعجب، فتشتدّ، ولا يقصد صاحبها بها شرًّا. بل قد تكون من محبّ. بل — وهذا أطرف ما في الباب — قد يصيب الإنسان نفسَه أو ولده أو ماله بعينه هو.

ومن ضبط هذا الفرق فهم لماذا تدور العادات كلّها حول المدح لا حول العداوة. لماذا تتوتّر الجدّة حين يقول غريبٌ إنّ الطفل جميل. ولماذا تشعر أنّ ثناءً جاء من غير «ما شاء الله» ناقصٌ ومقلق. ولماذا لا يُلام في التراث من أصاب بعينه، بل يُطلب منه أن يُبرّك ويُشارك في العلاج.

وممّا يستحقّ الالتفات أنّ هذه العادة ليست عربيةً وحدها ولا إسلاميةً وحدها. تجدها في تركيا واليونان وإيران، وفي إيطاليا وإسبانيا والبرتغال، وفي شبه القارّة الهندية، وفي أمريكا اللاتينية. أشياء مختلفة وألفاظ مختلفة والفكرة واحدة — وهذا الانتشار في ذاته يستحقّ تفسيرًا، وسيأتي.

هذه المقالة عن ذلك: ما الذي تعالجه هذه العادة في الحقيقة، ولماذا تشترك أشياء الوقاية على اختلافها في خاصّيةٍ واحدة، ولماذا الكلمات أهمّ من الخرزات، وما الذي يُصنع، وأين يقع الأذى حين يُساء استعمال الباب.

النظرة التي تُعجَب

ابدأ من هنا، فكلّ ما بعده يخرج منه.

اللحظة الخَطِرة في هذا الباب ليست لعنة. هي اللحظة التي ينظر فيها إنسانٌ إلى ما عندك — الطفل، البيت الجديد، الزرع، الوجه، الخبر السارّ — فيقع في نفسه، بلا قصدٍ وربّما بلا انتباه، شدٌّ صغير. ليس بغضًا. هو الخفقة الإنسانية العادية التي تجيء من غير استئذان حين يكون عند غيرك ما كنت تريده.

ولهذا كانت العادات حول الثناء. فالثناء في مجتمعاتنا واجبٌ اجتماعيّ: لا بدّ أن تُعجَب ببيت الجار جهرًا، ولا بدّ أن يمدح الضيف الطعام، ولا بدّ أن يُهنَّأ صاحب الخبر. والحسد في الوقت نفسه ممّا لا يُقال: أن تعترف بأنّك تضيق بنعمة غيرك قريبٌ من العار.

وهذان مجتمعان في موقفٍ واحد يصنعان مشكلةً حقيقيّة ودائمة: المدح لازم، والغَيرة ممنوعة القول، والجميع يعلم أنّهما يسافران معًا. ولا بدّ لهذا الحمل من حامل.

والعين تحمله، وتحمله بأناقةٍ لافتة. فهي تُعطي الشعور اسمًا وموضعًا خارج العلاقة — «العين» لا «جارك» — فتبقى الصحبة. وتُعطيك عبارةً تلحقها بالمدح فتُبطل أثره. وتُعطي الممدوح شيئًا يصنعه بعدها، وليس ذلك بالقليل حين يقلق الإنسان على نعمته.

أين تكثر هذه العادة، ولماذا

وانظر في انتشارها، فهو أقوى شاهدٍ على هذه القراءة.

ارسم خريطةً للأماكن التي يُعلَّق فيها شيءٌ على الباب أو على الطفل: بلاد الشام ومصر والمغرب والخليج، وتركيا واليونان وإيران، وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، وشبه القارّة الهندية، ثم — بالهجرة ثم بالتجذّر — قسمٌ كبير من أمريكا اللاتينية. أشياء مختلفة، وألفاظ مختلفة، والفكرة واحدة.

ثم اسأل: ما الذي تشترك فيه هذه المجتمعات؟ إنّها في الغالب الأعمّ مجتمعاتٌ يجب فيها المدح ويُمنع فيها التصريح بالغيرة. مجتمعاتٌ تُعرَض فيها النعمة ولا تُخفى، ويُستقبَل فيها الضيف ويُطعَم ويُرى بيتك ومالك وأولادك.

وفي المقابل، حيث تُخفى النعمة ويقلّ العرض، تضعف هذه العادة أو تغيب. فهي إذن تتبع الحال الاجتماعية لا الجغرافيا، ولذلك ظهرت من تلقاء نفسها في أماكن لا صلة بينها: لأنّ الشرط الذي يُنتجها موجودٌ فيها جميعًا.

وفي هذا فائدةٌ عملية للقارئ: إن وجدت نفسك تقلق على نعمةٍ جديدة كلّما ذُكرت أمام الناس، فأنت لا تعاني وسواسًا خاصًّا بك؛ أنت تعيش في نظامٍ اجتماعيّ له هذه الخاصّية، وقد صاغ لك من سبقك أدواتٍ للتعامل معه.

ويفسّر هذا أيضًا ملاحظةً يذكرها كثيرٌ ممّن هاجروا: أنّ الإحساس بهذا الباب يخفّ في بلادٍ تُخفى فيها النعمة ويقلّ فيها السؤال عن الأحوال، ثم يعود عند العودة إلى الأهل. ولم يتغيّر الإنسان؛ تغيّر النظام الذي هو فيه. وهذه بيّنةٌ عملية على أنّ المسألة في بنية الاجتماع لا في مزاج الأفراد.

التبريك: التقنية الحقيقية

الأشياء تأخذ كلّ الانتباه وهي النصف الأقلّ أهمّية. والعامل في هذا التراث كلامٌ لا خرز.

في كلّ ثقافةٍ عندها هذه العادة عبارةٌ تُلحَق بالمدح. عندنا «ما شاء الله» و«تبارك الله» و«اللهمّ بارك». وفي الفارسية والتركية نظائرها. وفي العبرية عبارتها. وفي الإنجليزية، وقد فقدت الإطار، بقيت الحركة وضاع سببها: يطرقون الخشب بعد ذكر نعمة، وهي الحركة نفسها بلا تفسيرها.

وهذه العبارات تصنع عملًا اجتماعيًّا دقيقًا، ويحسن فهمها بروتوكولًا لا تعويذة. فإلحاق العبارة بالمدح يقول ثلاثة أشياء دفعةً واحدة: أنا مُعجَب بك، ولا أدّعي هذا لنفسي، وأعلم أنّ الإعجاب قد يحمل شيئًا. وهي تجعل المدح ممكنًا على تمامه، وهذا مهمّ، لأنّ البديل في مجتمعاتنا — ألّا تمدح — رسالةٌ ثقيلة في ذاتها.

وثمّة عادة كلاميّة ثانية أدلّ من الأولى: ردّ الممدوح. تقول لأحدٍ إنّ ثوبه جميل فيقول: «قديم»، أو «رخيص»، أو «فيه عيب». ويقرأ الغريب هذا تواضعًا زائدًا، وليس كذلك. هو النصف الثاني من البروتوكول — الممدوح يقلّل انكشافه — وفي نظامٍ يعمل بهذه الطريقة يكون النصفان أدبًا لا أكثر.

ومهما كان رأيك في الباب كلّه، فالبروتوكول حلٌّ حقيقيّ لمشكلةٍ حقيقيّة، وهو سبب بقاء هذه العادات بعد التمدّن والهجرة وكلّ ما ظُنّ أنّه سينهيها.

الأشياء، وما تشترك فيه

ستّة أشياء واقية مرتّبة في شبكة متساوية على قماش داكن: خرزة عين زرقاء، وكفّ مفتوحة، وقرن أحمر صغير، وعقدة خيط أحمر، وطبق فيه بذر حرمل، ودبّوس فيه خرزة واحدة.
لا يستتر منها شيء. كلّ واحد منها مصنوع ليكون أوّل ما تقع عليه العين — وهذه هي وظيفته كلّها.

وهي كثيرة ولا يشبه بعضها بعضًا، وهذا ما يجعل المشترك بينها أطرف.

الخرزة الزرقاء في تركيا وشرق المتوسّط: عينٌ من زجاج، زرقاء على بيضاء على سوداء. والخمسة، كفٌّ مفتوحة وفي راحتها عين، في المغرب والمشرق. والقرن الأحمر الصغير في جنوب إيطاليا. وخيطٌ أحمر في المعصم في جنوب آسيا وغيرها. ونقطةٌ سوداء تُوضع على خدّ الطفل الجميل في عاداتٍ كثيرة، إفسادًا مقصودًا لكمالٍ يستدعي النظر.

فما الذي يجمع بين خرزةٍ وكفٍّ وقرنٍ وخيطٍ ونقطة؟ كلّها مصنوعة لتكون أوّل ما تقع عليه العين.

وهذا هو المنطق كلّه، ومتى أمسكته صار الباب مقروءًا. فإن كان الخطر في النظرة غير المحروسة، فالوقاية أن تُعطي النظرةَ موضعًا آخر تقع فيه. الخرزة ألفت للنظر من الطفل. والقرن أشدّ لمعانًا من الثوب. والنقطة على الخدّ تكسر الكمال الذي كان سيجذب الشدّ. ويقول الناس إنّ هذه الأشياء «تأخذ» النظرة، وهذا وصفٌ دقيق لما تفعله.

ويفسّر هذا أشهر ما يُروى عنها: أنّ الخرزة إذا انشقّت فقد عملت عملها. وسواءٌ أخذتَ ذلك على ظاهره أم لا، فهو تفكيرٌ متماسك في التصميم: صُنع الشيء ليمتصّ، والممتَصّ يترك أثرًا.

ولـالزرقة نفسها تاريخٌ عمليّ يستحقّ المعرفة: كان الزجاج الأزرق في تاريخ المتوسّط لافتًا ومتاحًا نسبيًّا في آن. وما زالت الصنعة حيّةً إلى اليوم: تُصنع هذه الخرزات عند عددٍ قليل من صنّاع الزجاج حول إزمير على أفران الحطب، وقد أُدرجت صنعتها والمعتقدات المحيطة بها في قائمة اليونسكو للتراث الحيّ.

أشياء الوقاية عندنا: الكفّ والخمسة والحرز

وللقارئ العربيّ في هذا الباب أشياؤه، ولها منطقٌ يستحقّ الشرح لأنّه ليس منطق الزينة.

الكفّ. الخمسة أشهرها في المغرب والمشرق، وهي كفٌّ مفتوحة، وكثيرًا ما في راحتها عين. ولاحِظ التركيب: عينٌ في يد. أي أنّ الشيء لا يخفي النظرة بل يردّها بمثلها، وهذا أوضح تجسيدٍ للمبدأ الذي يقوم عليه الباب كلّه.

والعدد نفسه له حضورٌ في الاستعمال: تُقال «خمسة» عند سماع ما يُخشى منه في بعض البلاد، وتُرفع الكفّ. والخمسة في هذه العادة ليست رقمًا حسابيًّا بل إشارةٌ إلى اليد، وهو مثالٌ جيّد على كيف تنتقل العادة من الفعل إلى الكلمة ثم تبقى في الكلمة وحدها.

الحرز. وهو ما يُكتب ويُحمَل، وله في الاستعمال الشعبيّ حضورٌ قديم واسع. والذي يعنينا هنا وصفيّ لا حُكميّ: أنّ الناس في هذا الباب مالوا دائمًا إلى شيءٍ محمول، أي إلى وقايةٍ لا تحتاج إلى تذكّر. والخرزة والحرز والخيط تشترك في هذا: تعمل وأنت غافل، وهذه خاصّية عملية حقيقية.

الملح والبخور. يُلقى الملح في النار في عاداتٍ كثيرة، ويُبخَّر البيت. ولاحِظ أنّ كليهما يُنتج صوتًا أو رائحة — أي أنّ العلاج يُدرَك بحاسّةٍ أخرى غير النظر. وهذه ملاحظةٌ لطيفة: الباب الذي مشكلته في النظر يُعالَج بما يُسمَع ويُشَمّ، لا بما يُرى.

من يُنسب إليه ذلك، ولماذا لا يُسمّى أحد

وهنا يصير الباب حسّاسًا، وهنا يقع أكثر الأذى.

تقول عاداتٌ كثيرة إنّ بعض الناس تقع منهم العين أكثر من غيرهم، والأوصاف متشابهة على نحوٍ لافت في أماكن لم تلتقِ: صاحب الشدّة في نظره، وصاحب الحرمان القديم، ومن يجيء إلى خبرك السارّ حاملًا نقصًا في بابه. وليس هذا وصفًا لسوء الخُلق، بل وصفٌ للقرب من الحاجة.

وهذا الاتّساق سهل التفسير على القراءة السابقة: إن كان الأصل شدّة الإعجاب تلقى حاجةً غير مقضيّة، فأشدّ الناس تعرّضًا هو صاحب الحاجة — العقيم في مجلس التسمية، ومن أراد الوظيفة التي نلتَها. والعادة إذن تلاحظ شيئًا صحيحًا وموجعًا قليلًا في كيفية وقوع الخبر السارّ على من تأخّر خبره.

ولهذا بالضبط وجب في هذا الباب أدبٌ صارم، وهنا موضع الانحراف. فتسمية إنسانٍ بعينه على أنّه «صاحب العين» أضرّ ما يُصنع بهذه العادة. تحوّل نموذجًا عامًّا لا لوم فيه إلى تهمة، وتفسد الصحبة، وتظلم من لم يقصد.

والتراث نفسه يقاوم ذلك: فالمُصيب بعينه لا يُلام في الغالب لأنّه لم يقصد، وفي العادة المعروفة يُطلب منه أن يغتسل ويُصبّ ماؤه على المُصاب — وهي عادةٌ لافتة، لأنّها تُدخله في العلاج بدل أن تُخرجه من الجماعة.

والقاعدة العملية التي تُستخلص من هذا خيرُ ما يُحفَظ في الباب: استعمل هذا على نفسك ولا تستعمله على جارك. تحفّظ فيما تعرض، وأجزِل التبريك حين تُعجَب، وامتنع عن تسمية أحد.

أثرٌ قديم: الرومان والكلمة التي بقيت

يُوثَّق هذا الباب مبكّرًا جدًّا، ومعرفة ذلك تفيد لأنّها تُظهر ثباته.

يذكر بلينيوس الأكبر في القرن الأوّل أقوامًا يُقال إنّهم يُؤذون بالنظر، ويتكلّم في الوقاية منهم كلامَ ناقلٍ لأمرٍ معروف لا كلامَ مستغرب. وكان الرومان يستعملون الفاسينوم — تميمةً تُعلَّق على الأطفال وعلى العربات — أداةً صارفةً للأذى، وهي تعمل على المبدأ نفسه الموصوف أعلاه: كانت لافتةً مستغرَبة، فتأخذ النظرة.

ولتلك الكلمة اللاتينية عمرٌ طويل بعدها: منها fascinare، أي يسحر بالنظر، ومنها الكلمة الأوروبية الحديثة التي تعني «يفتن» و«يستهوي». فمن قال بالإنجليزية أو الفرنسية إنّ شيئًا «فاتن» فقد استعمل، في صورةٍ مهترئة، معجم العين.

ويظهر الثبات نفسه في الأشياء. تميمةٌ على طفلٍ رومانيّ، وخرزةٌ على طفلٍ تركيّ، وقرنٌ على صدر نابوليتانيّ. تغيّرت المادّة وبقي المنطق.

ما يُصنع

ولكلّ ثقافةٍ علاجاتها، ويحسن وصفها لا مجرّد عدّها، لأنّها أكثر تماسكًا ممّا تبدو.

الرقية. في البيوت المسلمة يُقرأ على المُصاب بما ورد، وهي أشهر ما يُصنع عندنا. ولها في بابها أدبٌ معروف: أن تكون بما صحّ، وأن تُقرأ برفق، وألّا يُتّخذ ذلك بابًا لترك الدواء.

الاغتسال. العادة المذكورة أعلاه: يغتسل من وقعت منه النظرة، ويُصبّ ماؤه على المُصاب. وموضع اللافت فيها اجتماعيّ لا طبّي: أنّها تجمع بين الاثنين بدل أن تفرّق بينهما، وتُخرج الأمر من باب الاتّهام إلى باب التعاون.

البخور والدخان. في إيران وآسيا الوسطى تُحرق حبوب الحرمل ويُدار دخانها على الإنسان أو الغرفة. وللحبوب فرقعةٌ مسموعة وهي تحترق، وهذا جزءٌ من المقصود: العلاج مسموعٌ مرئيّ قويّ الرائحة، ومن في المكان يعلم أنّه يجري.

الرصاص. في تركيا والبلقان يُصبّ الرصاص المذاب في ماءٍ بارد فوق رأس المُصاب، وتُقرأ الأشكال التي يصنعها، ويُعاد الصبّ حتى يخرج الرصاص أملس. ولاحِظ البناء: يُشخّص ويعالج معًا، وينتهي بعلامةٍ مرئيّة على أنّ الأمر قد تمّ.

وما تشترك فيه هذه كلّها هيئةٌ واحدة: يُصنع شيء، ويُصنع علنًا، وله نهايةٌ واضحة. وهذه هيئة كلّ طقسٍ نافعٍ للقلق في أيّ مكان. فمن خاف على ما يحبّ أن يكون مكشوفًا، كان فعلُ شيءٍ محدّدٍ له نهايةٌ محدّدة نافعًا حقًّا، وقد بلغت التقاليد ذلك من طرقٍ متباعدة مرارًا.

وكلمةٌ واحدة صريحة، لأنّها تهمّ: الأعراض البدنية بابها الطبيب. وليس هذا انتقاصًا من العادات؛ هو تقسيم العمل نفسه الذي يلتزمه كلّ من يُحسن هذا الباب.

الهديّة: أجمل حلٍّ في الباب

وثمّة عادةٌ تستحقّ أن تُعرف أكثر، لأنّها تحلّ المشكلة من أصلها لا تديرها.

في ثقافاتٍ كثيرة، منها بيوتٌ عربية كثيرة، إن أُعجب الضيف بشيءٍ في بيتك إعجابًا زائدًا، فالصواب أن تعطيه إيّاه.

واقرأ هذا في ضوء ما سبق ترَ أناقته. كان الخطر في الفجوة بين ما عندك وما يريد. فأغلق الفجوة يزُل الخطر. ينتقل الشيء، ولا يبقى للغيرة ما تتعلّق به، ثم — وهذه الزيادة التي تجعلها أكثر من حيلة — تقوى العلاقة بدل أن تُحفَظ فقط، لأنّ الهديّة تُنشئ التزامًا والالتزام صلة.

ولها أثرٌ منضبط في الجهة الأخرى أيضًا، وهو ما يجعلها نظامًا اجتماعيًّا لا لطفًا فرديًّا: ففي بيتٍ يجري على هذه القاعدة يتعلّم الضيوف أن يُعجَبوا بمقدار. ولا يبالغ أحدٌ في مدح شيءٍ يخجل أن يُعطاه.

وقد وصف الباحثون في اقتصاد الهبة هذا النمط في مجتمعاتٍ كثيرة: تدوير الأشياء منعًا لتراكم الضغينة. ونسخة العين تُعطي الضغينة اسمًا ومخافةً، وهذا يجعل العادة أسهل التزامًا من مبدأٍ مجرّد.

العين في كلام العرب

وقفةٌ في اللغة، لأنّها تُظهر كم هذا الباب قديمٌ فينا وكم هو مبنيٌّ على ملاحظةٍ دقيقة للنظر.

في العربية معجمٌ كامل للنظر لا يكاد يوجد نظيره في لغاتٍ أخرى: النظر، واللحظ، والرمق، والشزر، والتحديق، والاستشراف، والإدمان. وكلّ لفظٍ منها يصف طولًا أو زاويةً أو شدّة. وثقافةٌ فرّقت هذا التفريق بين ضروب النظر هي ثقافةٌ لاحظت أنّ للنظر أثرًا.

وفي الشعر القديم يُذكر أثر النظر ذكرًا كثيرًا، وأكثره في باب الحبّ لا في باب الأذى: النظرة تُصيب، والقلب يقع، والعين رسول. وهذا بعينه هو المفتاح: التراث لم يكن يقول إنّ النظر أداة شرّ، بل إنّ النظر فاعل — يقع منه الحبّ ويقع منه غيره. والعين في هذا الباب فرعٌ من أصلٍ أوسع: أنّ الانتباه المشدود ليس محايدًا.

ومن هنا يُفهم لماذا كانت الوقاية عندنا كلامًا لا مادّةً في الأصل. فمن يرى أنّ الأثر يجيء من شدّة الانتباه، يعالجه بما يفكّ الشدّة: بكلمةٍ تُرجع الأمر إلى مُعطيه، وبردٍّ يخفّف عرض النعمة. والخرزة لاحقةٌ على ذلك ومستعارةٌ من جيران، والكلمة هي الأصل.

ثلاثة أخطاء شائعة في التعامل مع هذا الباب

وثلاثة أمورٍ تُخرج العادة من نفعها إلى ضدّه، وكلّها قابل للتفادي.

الأوّل: تفسير كلّ عثرةٍ بالعين. فمن اعتاد أن يردّ كلّ ما يعرض له إلى نظرةٍ وقعت عليه، لم يبقَ عنده سببٌ يعالجه. وهذا أثقل ما في الباب على صاحبه، لأنّه يسلبه القدرة على الإصلاح: الرسوب في اختبارٍ لم يُذاكَر له سببه ظاهر، وردّه إلى العين يمنع من رؤيته.

الثاني: كتمان النعمة كتمانًا يقطع الصلة. فالتحفّظ في العرض حكمة، وأمّا أن يُخفي الإنسان عن أهله وأقربائه كلّ خبرٍ سارّ فذلك عزلةٌ تكلّف أكثر ممّا تقي. والقاعدة الوسط التي يعمل بها الناس عمليًّا: أن يُقال للقريب أوّلًا وبهدوء، ولا يُعرَض على العامّة إلّا بعد استقراره.

الثالث: تحميل الأطفال هذا الكلام. فالطفل الذي يُقال أمامه إنّ فلانًا «عانه» يتعلّم أن ينظر إلى الناس بريبة قبل أن يتعلّم أن يثق بهم. والعادة نفسها في أصلها لا تتّهم أحدًا، فمن نقلها إلى الأولاد فليَنقلها على أصلها: عبارةُ تبريكٍ تُقال، ولا يُسمّى أحد.

المشكلة نفسها في صورةٍ جديدة

ومن الخطأ أن يُصنَّف هذا في باب عادات القرى التي أذابتها المدينة، لأنّ الشرط الذي يُنتجه لم يذهب، بل اشتدّ.

انظر ما هي صفحات التواصل: أداةٌ لعرض النعمة عرضًا لازمًا على جمهورٍ واسع لا يستطيع أفراده أن يقولوا ما يجدون. المدح واجبٌ وعلنيّ، والغيرة ممنوعة القول وخاصّة. وهذا بعينه التركيب الموصوف أعلاه، مضروبًا في أرقامٍ لم تعرفها قرية.

وقد عادت العادات، كما تعود العادات، بلا قرارٍ من أحد. يؤجّل الناس الخبر السارّ، أو ينشرونه بعد وقوعه، أو لا ينشرونه. ويكتمون الحمل ثلاثة أشهر. ويُخفون وجه الطفل. ويكتبون تحت الصورة عبارةً تردّ. ويقولون: «ما شاء الله» — وهي جملةٌ فيها الباب كلّه.

ولا يحتاج شيءٌ من ذلك إلى أن يعتقد أحدٌ نظريّةً في العين. يحتاج فقط إلى الحدس نفسه الذي دوّنته العادة: عرضُ النعمة له كلفة، والحكمة أن يكون بقدر. وهذا حدسٌ قديمٌ واسع الانتشار لم يُحسَّن عليه.

أدب المجالس: كيف تُقال النعمة

وفصلٌ عمليّ أخير، لأنّ أكثر ما يقع في هذا الباب يقع في مجلس، والقواعد فيه غير مكتوبة ويعرفها الناس بالممارسة.

الترتيب. الخبر السارّ يُقال أوّلًا لمن يشاركك فرحه بلا شرط — الأمّ، الصديق القديم، من يعرف تعبك في الطريق إليه. وهؤلاء لا يحتاجون إلى حساب. ثم يُقال بعد ذلك، وبقدر، لمن سواهم. والخطأ الشائع عكس هذا الترتيب: أن يُعلَن أوّلًا ويُخبَر القريب آخرًا، فيجتمع على صاحبه أمران: انكشافٌ مبكّر وعتبٌ من أهله.

المقدار. ثمّة فرقٌ بين أن تقول «رزقنا الله ببيتٍ جديد» وأن تصف عدد الغرف والثمن والموقع. والأوّل خبرٌ يُشارَك، والثاني عرضٌ يُقارَن. وأكثر ما يُنسب إلى العين في المجالس إنّما نشأ من الثاني.

الردّ. إن مُدحت فخفّف بلا إنكار. فإنكار النعمة كذبٌ ويقع في نفس السامع سوءًا، وإطالة الوصف عرض. والوسط عبارةٌ واحدة تردّ الفضل ثم تنتقل بالحديث: «الحمد لله، وكيف حال والدتك؟» وهي جملةٌ تفعل ثلاثة أشياء في ثانية.

والغائب. إن ذُكرت نعمة أحدٍ في غيبته فبرِّك له كما تبرّك لحاضر. وهذه أدقّ نقطةٍ في هذا الأدب، لأنّها تكشف أنّ العادة ليست في حماية النفس فقط: من يحفظ لغائبٍ نعمته قد فعل في نفسه شيئًا أهمّ ممّا فعله له.

أسئلة شائعة

هل العين أن يتمنّى أحدٌ لي الشرّ؟ في أكثر الروايات لا. النظرة الخَطِرة نظرة إعجاب، غالبًا بلا قصد، وكثيرًا ما تكون ممّن يحبّك. ولهذا كانت العادات حول المدح لا حول العداوة.

وما الفرق بينها وبين الحسد؟ الحسد إرادةٌ لزوال النعمة، وهو من عمل القلب ويعرفه صاحبه. والعين أثرُ نظرةٍ اشتدّت، وقد لا يعلم بها صاحبها. ولذلك يُلام الحاسد ولا يُلام صاحب العين في الغالب.

هل يصيب الإنسان نفسه؟ تقول عاداتٌ كثيرة نعم، وهو أقوى دليلٍ على أنّ الآلية ليست سوء النيّة: النموذج قائمٌ على شدّة النظر لا على القصد من ورائه.

ماذا لو انكسرت الخرزة؟ القراءة المتوارثة أنّها أخذت شيئًا وانتهت. بدّلها إن شئت؛ والعادة تعدّ المنكسرة قد أدّت عملها لا نذيرًا.

هل ثمّة طريقة صحيحة للمدح؟ جواب التراث عمليّ جدًّا: امدح تامًّا، وألحق العبارة التي تعطيك إيّاها لغتك، ولا تُطِل. وفي الثقافات التي لا عبارة فيها، «أنا سعيدٌ لك حقًّا» تؤدّي أكثر العمل.

وماذا أصنع إن شعرت بالانكشاف بعد مدح؟ شيئًا محدّدًا له نهايةٌ واضحة — وهذا منطق العلاجات كلّها. والفعل بعينه أقلّ أهمّيةً من كونه ينتهي.

هل يلزم أن أعتقد في هذا لأنتفع بالعادات؟ البروتوكول الكلاميّ ينفع أدبًا على كلّ حال: إلحاق العبارة بالمدح، وردّ الثناء بتواضع، أدبٌ حسنٌ في أيّ إطار.

وهل تنفع الخرزة إن لم أعتقد فيها؟ إن سألت عن الأثر الغيبيّ فذلك ليس ممّا تفصل فيه مقالة. وأمّا الأثر الذي يمكن وصفه فحقيقيّ ومستقلّ عن الاعتقاد: الشيء يلفت النظر أوّلًا فعلًا، ويذكّرك أنت بالتحفّظ في العرض، ويقول لضيفك إنّ هذا بيتٌ يجري على هذا الأدب. وهذه ثلاثة آثار اجتماعية تعمل في كلّ حال.

وماذا أفعل إن كنت أنا من يُعجَب بشدّة؟ هذا سؤالٌ قلّ من يطرحه وهو أنفع الأسئلة. والجواب في العادة نفسها: برِّك، ثم اصرف النظر. وإن وجدت في نفسك ضيقًا حقيقيًّا من نعمةٍ عند غيرك فذلك بابٌ آخر يخصّك أنت — وهو بابٌ يُعالَج بالصدق مع النفس لا بخرزة.

إن كان هذا يشغلك

أكثر ما سبق قابلٌ للاستعمال فورًا ولا يكلّف شيئًا: ألحق العبارة، وردّ الثناء بخفّة، وكن قاصدًا فيما تعرض، وإن شعرت بالانكشاف فاصنع شيئًا له بداية ونهاية.

لكن ثمّة صورةً من هذا ليست في باب العادات أصلًا، وتستحقّ التسمية. فبعض من يقرأ في هذا الباب يقرأ فيه لأنّه يحمل إحساسًا مقيمًا بأنّه مُراقَبٌ أو محسود أو ممنوع — سلسلةً من الأمور تعثّرت حتى صار يشعر أنّها موجَّهة. وهذا حملٌ ثقيل يُحمَل وحده، ولا يجيب عنه في الغالب شيءٌ مادّيّ.

والقراءة الروحانية مع لُكساريون مصنوعةٌ لهذه المحادثة بعينها: إنسانٌ يأخذ الأمر مأخذ الجدّ، ويعمل من حالك أنت، ويعينك على فصل ما يُثقلك حقًّا عمّا التصق به. وذلك الفصل هو أكثر الفرج.

وإن كان الذي تسير فيه علاقةً يجري فيها الإعجاب والضيق معًا — وهو الموضع الذي تعيش فيه هذه العادة — فـمقال السؤال عن الحبّ كما ينبغي يشتغل في الأرض نفسها، ومقال الحسّ الهادئ يتناول متى يستحقّ الشعور المقيم أن يُوثَق به.

#طاقة

حدّث ٣ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٢٨ مشاهدة

المكتبة تُعلّم الحرفة. والقراءة تُنزلها عليك أنت.

احصل على قراءتك الشخصية
العين والحسد: فرقٌ يغيّر فهم الباب كلّه