علمٌ يُضيء الطريق — كلمات تبقى معك

لفائف الطلاسم القديمة: ما الذي يخفيه الغلاف الصغير؟

لفائف الطلاسم القديمة: ما الذي يخفيه الغلاف الصغير؟

لفافةٌ طولها ثمانية وستّون سنتيمترًا في غلافٍ دون الثمانية: كلمات حفظٍ طُويت لتبقى قريبةً من القلب.

غلافٌ معدنيّ صغير، وحلقاتٌ تصلح لتعليقه قريبًا من القلب. وفي داخله نصٌّ يمتدّ أطول بكثيرٍ ممّا يوحي به حجمه. وفي هذه الصلة الحميمة بين الكلمة والجسد يبدأ السؤال: ما الذي جعل إنسانًا يحمل كتابةً معه، ويفرد لها مكانًا في يومه؟

والجواب في الكلمات نفسها. فهذه لفائف كُتبت فيها الاستعاذة وآيات الحفظ والأدعية، وطُويت في غلافٍ يبقيها على الجسد، لأنّ كلمات الملاذ تحفظ حاملها بإذن الله. والقطع التي تحفظها المتاحف اليوم تعطي هذه الحكاية تفاصيلها: الورق والرقّ، والطباعة بالقوالب، والنقش على الفضّة، والحلقات التي عُلّقت منها.

فللفائف الطلاسم مدخلان يكمّل أحدهما الآخر: الغلاف، ومنه نعرف مادّتها وصنعتها وتاريخها، والنصّ، ومنه نعرف الرجاء الذي جعل كلماتها جديرةً بالحمل. وهي معًا شواهد على صلة الإنسان بالحفظ والقرب والكتابة المقدّسة.

ثلاث قطعٍ في متحفين

علبةُ قلادةٍ طويلة من الفضّة والذهب بألواحٍ مزخرفة بالأوراق، معلّقةٌ بخيطٍ بجانب شريطٍ من الرقّ الفاتح مبسوطٍ على مخملٍ كحليّ.

يحفظ متحف المتروبوليتان في نيويورك لفافةً صُنعت في مصر في القرن الحادي عشر، زمن الدولة الفاطمية، رقمها في سجلّه ١٩٧٨٫٥٤٦٫٣٤: حبرٌ على ورق، مقاسها ٢٤٫٩ في ٧٫٩ سنتيمترات، مكتوبةٌ بالخطّ الكوفيّ.

ويحفظ المتحف نفسه لفافةً ثانية من القرن نفسه، منسوبةً إلى مصر، رقمها ١٩٧٨٫٥٤٦٫٣٢، مقاسها ٢٣ في ٨٫٤ سنتيمترات. ويصفها سجلّها بأنّها حبرٌ على ورق مطبوعٌ بالقوالب، أي إنّ نصّها الواحد كان يُطبع مرّةً بعد مرّة.

ويحفظ المتحف الوطني للفنون الآسيوية التابع لمؤسّسة سميثسونيان في واشنطن حافظةً سداسيّة الأضلاع من إيران في العهد القاجاري، من الفضّة على سبيكةٍ من النحاس، منقوشة، وما زالت لفافتها الأصلية في داخلها. يؤرّخ المتحف الحافظة بأواخر القرن الثامن عشر أو أوائل التاسع عشر، ويرجّح من أسلوب الخطّ أنّ اللفافة كُتبت نحو سنة ١٨٠٠. واللفافة من رقٍّ رقيق، وهذا نادرٌ في إيران ذلك الزمن، إذ كان الورق هو الغالب على الكتابة.

قطعٌ من زمنين وبلدين: ورقٌ مصريّ من القرن الحادي عشر، ورقٌّ إيرانيّ من نحو سنة ١٨٠٠. ويجمعها غرضٌ واحد، أن تبقى كلمات الحفظ على صاحبها.

المادّة والصنعة

والمادّة تقول شيئًا عن كلّ قطعة. فالورق غير الرقّ، والحبر لا يعني دائمًا خطّ اليد: بعض نصوص هذا الباب كانت تُطبع بالقوالب، واللفافة التي تبدو في واجهة المتحف قطعةً فريدة قد تكون واحدةً من نسخٍ كثيرة. والمطبوع يدلّ على قالبٍ يتكرّر، والمكتوب باليد يدلّ على يدٍ بعينها كتبته. والكلمات المطبوعة تحفظ كما تحفظ المكتوبة، وقيمة القطعة عند صاحبها لا تنقص بتكرار نسخها.

وقراءة لفافةٍ من هذه اللفائف تمييزٌ لما فيها: الآيات، والأدعية، وأسماء الله، والعبارات، والزخرف. وما لم يُقرأ بعد يُقال عنه «لم يُقرأ»، وهي عبارةٌ أدقّ من «رموزٌ لا يعرفها أحد». وقد يجتمع في القطعة الواحدة أكثر من معنى: حفظُ مادّةٍ تتلف، وحرمةُ نصٍّ مقدّس، وصلةُ عائلةٍ توارثته، ورجاءُ الحماية، فتُحفظ المعاني كلّها معًا.

كلمات الاستعاذة، وخاتم سليمان، ودعاءٌ يُحمل

علبةٌ نحاسية منقوشة بجانب شريطٍ ورقيّ مبسوط طُبعت عليه نجومٌ صغيرة وأهلّة وعلاماتٌ متفرّعة، على مخملٍ كحليّ.

في اللفافة الكوفية يصف المتروبوليتان كلماتٍ في دفع العين والاستعاذة بالقرآن. فالحفظ هنا في لغة النصّ نفسه: كلمات ملاذٍ جُعلت قريبةً من حاملها، والعين أوّل ما تُطلب الحماية منه. وفي مقالتنا عن العين والحسد ما يصنعه الناس في دفعها إلى اليوم.

وفي اللفافة المطبوعة نجمةٌ سداسية يسمّيها المتحف خاتم سليمان. وهو في التراث خاتم النبيّ سليمان الذي سُخّرت له الجنّ، ومن هنا صار من أشهر علامات الحفظ في الطلاسم. وفي هذه اللفافة يجتمع النصّ والعلامة على سطحٍ واحد.

أمّا الحافظة الإيرانية فأوّل نقشها آية الكرسي: «اللهُ لا إلهَ إلّا هو الحيُّ القيّوم، لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم» (البقرة، ٢٥٥). ويقول المتحف إنّ الآية تذكّر المؤمن بحضور الله في كلّ مكان وقدرته الحافظة، وإنّ اختيارها يؤكّد عمل اللفافة التي في داخلها في دفع الأذى. وفي اللفافة أدعيةٌ بالحبر الأسود تفصل بينها خاناتٌ مذهّبة، وتجري على جانبيها ابتهالاتٌ باسم الله بخطٍّ أكبر، بالأحمر والأزرق.

ثلاثة أبوابٍ في هذه القطع: الكلمة التي تتوجّه إلى الله، والعلامة التي تحمل صلةً موروثة، والغلاف الذي يجعل القرب ممكنًا. وأيّها استوقف القلب أوّلًا دلّ على سؤاله: كلماتٌ للرجاء، أو علامةٌ لصلةٍ يُراد حفظها، أو قربٌ يجعل ما يهمّ رفيقًا في الطريق.

الغلاف يمنح القرب هيئة

علبةٌ نحاسية صغيرة منقوشة لها حلقةٌ للتعليق، وورقةٌ خشنة مطويّة، وورقةُ زيتون على كتّانٍ أزرق داكن.

في الحافظة الإيرانية ثلاث حلقاتٍ صغيرة، يرى فيها المتحف دليلًا على أنّها كانت تُلبس قلادةً أفقية. ولفافتها طولها ٦٨ سنتيمترًا وعرضها ٤٫٥ سنتيمترات، والغلاف الذي طُويت فيه طوله ٧٫٦ سنتيمترات. دعاءٌ أطول من ذراعٍ كاملة صار يُحمل في حيّزٍ بطول إصبع.

ويذكر المتحف أنّ مثل هذه اللفائف كانت تُوضع في أغلفتها فتُعلّق على الأعناق أو تُشدّ على الأذرع، وتُربط بالرايات والدروع قبل القتال. فالغلاف جزءٌ من الحرز نفسه: يعطي الكلمات حدًّا، وطريقًا تسافر به، وصلةً بالجسد الذي يحملها. والنصّ يظهر حين تُفتح اللفافة، ويحضر حين تُحفظ.

ولا يذكر السجلّ اسم من حملها، وفي الحافظة نفسها ما يكفي للدخول إلى موضوعها: حضور الكلمة، وهيئة الحفظ، والرجاء الذي ارتبط بهما. والصورة وحدها لا تنقل هذا كلّه، فاللفافة المفرودة تملأ الإطار، والغلاف وحده يبدو حليةً صغيرة، والحرز هو الصلة بينهما.

الدعاء والرقية والحرز والطلسم

في العربية لهذا الباب ألفاظٌ لكلٍّ منها موضعه. الدعاء خطابٌ إلى الله. والرقية كلامٌ يُقرأ على صاحب الحاجة. والعُوذة والتعويذة كلمات الاستعاذة، تُقال أو تُكتب. والحرز ما يُحفظ به الإنسان ويُحمل معه، ويسمّيه الناس في بلادٍ كثيرة «الحجاب». والتميمة اسمٌ قديم لما يُعلَّق على الإنسان طلبًا للحفظ. أمّا الطلسم فكتابةٌ من حروفٍ وأعدادٍ وأشكال، لها صنعتها الخاصّة.

وقد جمع محمود أميدسالار في مادّة التعاويذ من موسوعة إيرانيكا صورًا كثيرة من الأقوال والكتابات التي تُطلب بها الحماية في البيئات الإيرانية. واللفائف المحفوظة في المتحفين من هذا الباب: أدعيةٌ وآياتٌ واستعاذةٌ وعلامات، كُتبت لتُحمل.

حين يكون الحضور مهمًّا مثل القراءة

يدان تلفّان شريطًا طويلًا من الرقّ على طاولةٍ خشبية بجانب علبةٍ نحاسية منقوشة مفتوحة وغطائها، وخلفهما دواةٌ وقلم.

كُتبت هذه النصوص لتحضر مع صاحبها في كلّ ساعة. ويصف سجلّ المتحف الوطني للفنون الآسيوية أدعية اللفافة الإيرانية بأنّها مقروءةٌ على صغرها، وأنّها تعمل مجتمعةً عمل الحرز، من غير أن تُكتب للقراءة المتّصلة.

الكتاب على الرفّ ينتظر من يفتحه. والرسالة في الدرج تبقى سنواتٍ بلا قراءة، وصلتها بصاحبها قائمة. والحرز على الصدر حاضرٌ في كلّ حين، يحفظ صاحبه ويذكّره، وكلماته معه وإن لم تُفتح.

ومن هنا يُفهم الغلاف: يحمي مادّةً تتلف، ويبقي الكلمات على الجسد، ويجعل الحفظ هيئةً تُلبس. وفيه قرارٌ بالإظهار والإخفاء معًا، فالحرز يُرى على الصدر وكلماته مستورة. شيءٌ واسع يجتمع في حيّزٍ صغير، وكلماتٌ صار قربها جزءًا من عملها.

وفي هذه الصورة معنى الاستمرار: ما يُحمل من مرحلةٍ إلى أخرى، وما يمنح الثبات والصلة في الانتقال. والحماية فيها رجاءٌ ودعاء معًا، أن يرافق الإنسانَ ما يثبّته. ولهذا يسأل من يقف أمام هذه اللفائف: ما الذي يستحقّ أن يبقى قريبًا في هذه المرحلة، وما الذي يُحمل من عتبةٍ إلى أخرى؟

حرزٌ موروث في صندوق العائلة

مثالٌ متخيَّل: شخصٌ يجد في صندوقٍ عائليّ غلافًا صغيرًا مغلقًا، ولا يعرف عنه إلّا أنّ جدّته كانت تحفظه. وأوّل ما يخطر له: أكان هذا لحفظنا؟

والغالب أنّه كذلك: دعاءٌ أو آياتٌ حملتها العائلة قريبةً منها جيلًا بعد جيل. ويُدوَّن أوّلًا ما يُعرف: اسم من حفظه، ومتى انتقل الصندوق، والكلمات التي قيلت عنه. و«كانت جدّتي تحفظه» ذكرى تُصان مع الحرز نفسه.

ثم يأتي سؤال اليوم. قد يكون المطلوب حفظ الصلة بالعائلة وما تركته، وقد يكون حمل الحرز كما حُمل من قبل. والغلاف القديم يُترك مغلقًا كما هو، ففتحه وتنظيفه عمل من يعرف حال المادّة، والورق والرقّ القديمان يتلفان من اللمس.

وإذا صار حضوره يُقلق أهل البيت، أو سُمع عنه كلامٌ مخيف، ففي القراءة الروحية في لوكساريون يُكشف ما يعمل حقيقةً حول البيت وأهله، وما الذي يرفعه.

أسئلة عن لفائف الطلاسم

هل كلّ لفافةٍ صغيرة حرز؟

اللفافة تُعرف بما كُتب فيها. فإن كانت فيها الاستعاذة وآيات الحفظ والأدعية فهي حرز، والحجم وحده لا يحسم ذلك، فقد تكون اللفافة الصغيرة كتابًا أو رسالة.

هل كانت اللفائف كلّها مكتوبةً باليد؟

لا. في سجلّ المتروبوليتان لفافةٌ من القرن الحادي عشر موصوفةٌ صراحةً بأنّها مطبوعةٌ بالقوالب، ولكلّ قطعةٍ سجلّها الذي يذكر طريقة صنعها.

هل صِغر الحرز يعني صِغر لفافته؟

لا. لفافة الحافظة الإيرانية طولها ٦٨ سنتيمترًا، في غلافٍ طوله ٧٫٦ سنتيمترات، ولهذا يُقرأ المقاسان معًا: طول اللفافة مفرودةً، وطول الغلاف الذي طُويت فيه.

هل كانت هذه اللفائف تحمي حامليها؟

الحماية في كلمات الاستعاذة نفسها، ومن أجلها كُتبت وحُملت: استعاذةٌ بالله من العين والشرّ، وآياتٌ من القرآن، وأدعيةٌ بأسماء الله. والحفظ بإذن الله، والغلاف يبقي الكلمات قريبةً من الجسد.

هل الكتابة غير المقروءة علامة سحر؟

الخطّ وحده لا يدلّ على ذلك. كثيرٌ من كتابات الحفظ مقروءٌ لمن يعرف خطّها، وإن صغُر أو بلي. وتسمية ما في اللفافة تحتاج إلى قراءتها، وما يعمل حول البيت وأهله يُكشف في القراءة الروحية.

كيف يُعرف عمر حرزٍ قديم وأصله؟

تأريخ الغلاف القديم وتوثيقه عمل المختصّ بالمخطوطات أو بالمعادن، من المادّة والخطّ والنقش.

كلماتٌ باقية

حين تُطوى اللفافة تبقى أسئلتها: من كتبها، ومن حملها، وأيّ خوفٍ أو رجاءٍ رافقه؟ وبعضها لا يبلغه جواب، والكلمات نفسها باقيةٌ تقول ما كُتبت له.

والحاجة التي صنعت هذه اللفائف قائمة. ففي لوكساريون تُهيّأ القطع الروحية اليوم: خواتم وعقود وأساور ودلّايات، وقطعٌ تُصاغ على وصف صاحبها، وكلّ قطعةٍ لغرضٍ تحمله، كالحماية والتحصين. والقطعة التي تُهيّأ للحفظ تحمل غرضها معها، وأثرها بإذن الله، ولا يُوعد به في يومٍ مسمّى.

ثمانيةٌ وستّون سنتيمترًا من الدعاء في غلافٍ يُمسَك بين إصبعين: هكذا طُوي العالم ليبقى قريبًا من القلب.

#روحانيات

حدّث ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦، ٦١ مشاهدة

المكتبة تُعلّم الحرفة، والقراءة تُنزلها على حالك.

بدء قراءتك الشخصية