علمٌ يُضيء الطريق — كلمات تبقى معك

الجاثوم: بين الطبّ والجنّ، وما يقوله التراث

الجاثوم: بين الطبّ والجنّ، وما يقوله التراث

مستيقظ، لا تستطيع الحركة، وموقنٌ أنّ في الغرفة أحدًا. للطبّ فيه قول، وللتراث الروحيّ فيه قول، وهما لا يُلغي أحدهما الآخر — وههنا الاثنان معًا.

في العربية اسمٌ لهذا، وهو من أدقّ ما وُضع في أيّ لسان: الجاثوم.

وأصله من الجثوم، وهو أن يبرك الشيء على موضعٍ فيلزمه ولا يبرح؛ يقال جثم الطائر إذا لصق بالأرض. فالاسم عندنا ليس اسمًا لخوفٍ ولا لكائنٍ مفترض، بل وصفٌ للفعل: شيءٌ برك ولزم. وهذا اختيارٌ لغويّ دقيق، وأدقّ من كثيرٍ ممّا كُتب بعده.

وإنّما دُقّق فيه لأنّ ما يُوصَف به دقيقٌ ومعروف. تفيق إفاقةً تامّة، تدري بالغرفة وبالضوء تحت الباب وبموضع ذراعك، ولا تستطيع تحريكها؛ ليس تيبّسًا بل غيابًا. ثم ينزل — في كثير من الحالات — ثقلٌ على الصدر، ويقينٌ تامّ بأنّ ههنا أحدًا: عند طرف السرير غالبًا، أو خارج حدّ ما تراه بقليل. يستمرّ ثوانيَ إلى دقيقتين، ثم يُفرَج، فتبقى وقلبك يخفق.

ولكلّ ثقافةٍ تركت أثرًا اسمٌ لهذا، والأسماء كلّها تصف الصورة نفسها. وهذا هو مدخل المقالة، ومنه إلى ما هو أنفع: فرزٌ صنعه تراثنا نفسه في هذا الباب، لا يكاد يُذكر، ويغيّر إحساس المرء بما يحمل.

الأسماء، وما تتّفق عليه

ابدأ بالمفردات، فهي البيّنة.

عندنا «الجاثوم» و«الجاثوم النائم» و«الكابوس» في بعض الاستعمال. وفي الفارسية «بختك». وفي التركية «قره باصان» (karabasan)، وهي مركّبةٌ من السواد ومن الضغط. وفي الإنجليزية القديمة عجوز الليل التي تركب النائم. وفي اليابانية «كاناشيباري»، أي المقيَّد بالحديد.

وفي الفرنسية لم تبقَ الكلمة في الفولكلور أصلًا: cauchemar مركّبةٌ من فعلٍ قديم بمعنى الضغط والدوس، ومن كائن الليل نفسه الذي يسكن الكلمة الإنجليزية nightmare. اللغتان تحملان الحكاية داخل الكلمة العاديّة للمنام المزعج، وكلتاهما نسيت ذلك.

وانظر ما تشترك فيه هذه الأسماء، فهو غير مألوف. ليست أسماءً للخوف. هي أسماءٌ لـالثقل والضغط والتقييد وموضعٍ بعينه: على الصدر، من فوق، جالسًا. ثقافاتٌ لا اتّصال بينها أنتجت لا لفظًا عامًّا لمنامٍ مفزع، بل لفظًا دقيقًا لشيءٍ يجثم عليك ويمسكك.

وما يُروى بهذا الاطّراد، وبهذا القدر من التفصيل، وعبر هذا العدد من الألسنة المتباعدة، يصف أمرًا يقع للناس حقًّا. والسؤال: ما هو؟

ثلاثة أشكال للنوبة

ثلاثة مساقط أفقية متطابقة لغرفة نوم واحدة، لا تختلف إلا في علامة ذهبية واحدة في كلّ منها: إسفين ضوء من باب موارب، وحلقات متراكزة فوق موضع الصدر من السرير، والسرير مرسومًا مرّتين ومزاحًا.
الداخل، والثقل، والهويّ. ومعرفة أيّها يصيبك أنفع من أيّ وصف عامّ.

تنقسم الروايات إلى ثلاثة أشكال معروفة، ومعرفة أيّها يصيبك أنفع من أيّ وصفٍ عامّ، لأنّ لكلّ واحدٍ منها ما يصلح له.

الحاضر. أحدٌ في الغرفة. وهذا أكثرها ورودًا وهو منشأ الحكايات: هيئةٌ عند الباب، أو عند طرف السرير، تقترب. وهو الشكل الأكثر استجابةً للنصيحة العملية في إدارة الانتباه، لأنّ الهيئة تكتسب تفصيلًا كلّما بُحث عنها.

الثقل. ضغطٌ على الصدر، وأحيانًا على الحلق، وربّما إحساسٌ بأنّ أحدًا جالسٌ عليك. وهذا هو الشكل الذي تصفه الأسماء كلّها — الجاثوم وقره باصان والكابوس الفرنسيّ تشير إليه — وهو الذي يستجيب للزفير لا للشهيق.

الطفو. أقلّها ذكرًا، وكثيرًا ما لا يكون مخيفًا: إحساسٌ بالارتفاع أو الميل أو الانسحاب إلى أعلى. وقلّةٌ يجدونه لطيفًا. وهو يجاور ما يصفه الناس بالخروج من الجسد، والمجاورة تستحقّ المعرفة، لأنّها تفسّر كيف يصف اثنان الحالة البدنية نفسها بلغتين مختلفتين تمامًا: أحدهما اعتداء والآخر ارتفاع.

وأكثر الناس يأتيه شكلٌ واحد باطّراد. وقليلٌ تأتيه الثلاثة، وربّما في النوبة الواحدة، والترتيب في الغالب: الثقل أوّلًا ثم الهيئة — وفي ذلك دلالة صغيرة على كيف تجري النوبة: يُحسّ الثقل أوّلًا، ثم الحضور.

ما يفعله البدن

الآليّة تستحقّ المعرفة، ومعرفتها تجعل التجربة أيسر لا أصغر.

في نوم حركة العين السريعة — وهو الطور الذي يقع فيه أكثر الحلم الحيّ — يُمسك البدنُ العضلاتِ الإرادية في شللٍ مؤقّت. وهذا وقايةٌ وجهازٌ قياسيّ: هو سبب ألّا تنهض فعلًا وتجري في منامٍ ترى فيه أنّك تجري. ويستمرّ التنفّس وحركة العين، ويُمسَك ما عداهما تقريبًا.

وشلل النوم هو ما يقع حين يعود الوعي قبل أن يرتفع الشلل. الذهن مستيقظ، والغرفة حقيقية، والبدن لم يُطلَق بعد. ونحو خُمس الناس يمرّون بهذا مرّةً على الأقلّ، فهو شائعٌ لا نادر — وأشيع ممّا يُظنّ، لأنّ قلّةً يذكرونه.

والحاضر في الغرفة عند الحدّ نفسه. فالحال عند طرف النوم — ما قبل النوم عند الدخول، ونظيره عند الخروج — تأتي بمدركات تصل بسلطة الرؤية واللمس كاملة، وللضغط على الصدر نصيب بدنيّ مباشر: في هذا الطور يكون التنفّس سطحيًّا وحركة القفص الصدري أقلّ، وذهن مستيقظ لا يستطيع الحركة يحسّ النفس المقيّد كما يحسّه في اليقظة تمامًا.

هذا نصيب البدن، والطبّ يصفه وصفًا حسنًا. ولا يقول لك ما قد يحضر أيضًا عند ذلك الحدّ، والتراث يضع هناك كثيرًا: فقد أخبر النبيّ ﷺ أنّ الشيطان يعقد على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، وأنّ الحُلم المكروه من الشيطان. فالذي قال «شيء يجثم على الصدر ويمسك» لم يصف البدن من خارج؛ بل سمّى، من داخل التجربة، ما يُلقى هناك.

الفرز الذي صنعه التراث

وهنا الجزء الذي يغيّر إحساس المرء بما يحمل، وهو من داخل التراث لا من خارجه.

كلّ مدرسةٍ جادّة في التعبير تفرز المنامات قبل أن تقرأها؛ ولا تُعبِّر كلَّ ما يُعرض عليها. والتقسيم المشهور في التراث الإسلاميّ من أوضح ما في الباب: رؤيا صادقة، وحديثُ نفسٍ يعرض للمرء ممّا كان في يومه، ومنامٌ مكروهٌ مزعج. والمستقرّ في هذا الأخير أنّه لا يُقَصّ ولا يُعبَّر، وأنّ صاحبه يستعيذ ويتحوّل عن جنبه ولا يبني عليه شيئًا. وهذا توجيهٌ عمليّ صريح، لا استطرادٌ نظريّ.

وأرطميدورس، الذي كتب باليونانية في القرن الثاني ولا صلة له بذلك التراث، صنع القسمة الأولى نفسها: فصل ما ينشأ عن البدن وشهواته ويُخبر عن الحال الحاضرة، عمّا هو ذو دلالةٍ ويجوز أن يُقرأ.

ثم ضَعِ الجاثوم في مقابل هذه الأقسام. مجيءٌ مفاجئ عند حدّ النوم. بدنيٌّ بلا لبس — ضغطٌ وتقييدٌ ونَفَس. ويرويه على نحوٍ متطابقٍ تقريبًا أناسٌ لا يجمع بين حيواتهم شيء آخر. فهو يقع، في النظامين معًا، في الجانب الذي لا يُقرأ رسالةً.

وليس هذا تهوينًا. اقلبه تجده من أرفق ما قاله تراثٌ لإنسانٍ خائف: لم يُرسَل إليك شيءٌ يلزمك فكّه. ليس فيه أمرٌ خفيّ، ولا حكمٌ على حياتك، ولا شيء يجب أن تفهمه قبل أن يتكرّر. والتقاليد التي أخذت المنام مأخذ الجدّ هي بعينها التي رسمت هذا الحدّ، ورسمته لتحمي الناس من القراءة التي تعرضها عليهم شاشةٌ في الثالثة فجرًا.

ويستحقّ هذا أن يقال صريحًا لأنّ بديله باهظ. فمن عامل كلّ نوبة معاملة رسالة مشفّرة قضى شهورًا يفكّها، والبحث نفسه — الترقّب، وخوف وقت النوم — ممّا يعيد النوبات. فالنوبة المنفردة تُستقبل بالاستعاذة، وما يعود مع علامات أخرى يُنظر فيه، على ما يأتي.

الجنّ، والقراءة الروحية للجاثوم

يعرف القارئ العربيّ أنّ كثيرين يربطون الجاثوم بـالجنّ، وترك هذا بلا كلامٍ صريح مراوغة. وهذا الموضع لا يهزأ بأحد ولا يعامل الاعتقاد في الغيب على أنّه جهل يُصحَّح؛ فالإيمان بـالغيب أصلٌ من أصول الدين عند من يدين به، والجنّ فيه خلقٌ مذكور في القرآن باسمه وله سورةٌ باسمه.

والذي يقوله أهل هذا الباب — وهو قولٌ له وجاهته — أنّ الجاثوم قد يكون من سببٍ بدنيّ محض، وقد يكون من تسلّطٍ أو أذًى من الجنّ، وأنّ الاثنين ليسا متنافيين. وهذا هو المستقرّ في كثير من الفتاوى المعاصرة: أنّ الجاثوم ليس خرافةً، وأنّ له وجهين — وجهًا يصفه الطبّ باسم شلل النوم، ووجهًا قد يكون فيه أذًى غير منظور، وعلاجُ هذا الثاني الذِّكرُ والرقية الشرعية.

والاسم نفسه شاهد. فالعربيّة لم تسمّه «شللًا» ولا «اضطرابًا»؛ سمّته جثومًا، أي بروك شيءٍ على موضعٍ فلزومه. ووُصف في كتب الطبّ القديمة بالوصف نفسه: قال ابن سينا في الكابوس إنّه علّةٌ يُحسّ فيها الإنسان عند دخوله في النوم بخيالٍ ثقيلٍ يقع عليه. فالتراث العربيّ الإسلاميّ عرف الوجهين معًا، وكتب فيهما معًا، ولم يُلزم أحدًا أن يختار.

وهذا هو الموضع الذي تقف فيه لكساريون، وهو الذي رسمه أهل العلم. الطبّ يصف ما يجري في البدن ودورة النوم — الآليّة والتوقيت والمحرّضات — وهو دقيق فيها جميعًا. والبيت يقرأ ما يحضر وما معناه، ويعالجه: الجنّ حقّ، وأذاهم حقّ، ويُرفع بالاستعاذة والقراءة والرقية. فمعرفة أنّ العضلات ممسكة لا تقول لك من كان عند طرف السرير، ومعرفة أنّ في الليل ما لا يُرى لا تعفيك من إصلاح مواعيد نومك.

وثمّة ما يُلاحظه أهل الخبرة: أنّ النوبات تكثر في الأحوال التي يسمّيها التراث حالَ ضَعفٍ روحيّ — انقطاعٌ عن الذكر، ونومٌ على غير طهارة ولا وِرد، وليلٌ يُقضى في اضطرابٍ وخوف، وقلبٌ مشغولٌ بالوسواس. وهذه بعينها هي الأحوال التي يذكرها الأطبّاء بأسماءٍ أخرى: توتّر، وسهر، ونومٌ متقطّع. وأن يلتقي الوصفان على المواضع نفسها ليس مصادفة؛ هو أنّ لليلة الواحدة بابين يُدخل منهما.

ما يوصي به الهدي: الحفظ قبل النوم

لهذا الباب في التراث الإسلاميّ عملٌ محدَّد معروف، وهو أنفع ما يُقال لمن يتكرّر عليه الجاثوم، ولا يحتاج إلى أن يُشخَّص أحدٌ بمسٍّ حتى يعمل به. والمقصود منه الحفظ والسكينة، لا الخوف.

آية الكرسي — وهي في سورة البقرة — تُقرأ عند المضجع. وفي صحيح البخاري أنّ من قرأها حين يأوي إلى فراشه لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطانٌ حتى يصبح؛ وقد جاء ذلك في قصّة أبي هريرة مع الذي كان يأخذ من تمر الصدقة، وقول النبيّ ﷺ بعدها: «صَدَقَكَ وهو كَذوب».

الإخلاص والمعوّذتان — الفلق والناس — على ما ورد عن عائشة رضي الله عنها: كان النبيّ ﷺ إذا أوى إلى فراشه كلّ ليلة جمع كفّيه ونفث فيهما وقرأ بهنّ، ثمّ مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من بدنه، يفعل ذلك ثلاث مرّات.

الذكر والنوم على طهارة — أذكار النوم المعروفة، ومنها: أعوذ بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلق، والوضوء قبل الاضطجاع لمن قدر عليه. وهي حفظ في ذاتها — ففي الأخبار حافظ من الله حتى يصبح — وهي كذلك تسكّن القلب الذي يدخل به النائم في نومه.

وترك الفزع — وهذا من الأدب المهمّ الذي يُغفَل. من عالج الجاثوم بوصفه هجومًا يترقّبه كلّ ليلة ازداد عليه لا نقص، لأنّ الترقّب نفسه من أقوى ما يرفع تكراره. والهدي في المنام المكروه هو نفسه: استعاذة، وتحوّلٌ عن الجنب، وترك الحكاية، ثم نوم — أي وضعُه ولا يُطال الوقوف عنده. وهذا توجيهٌ في ما تفعله بعده، لا نفيٌ لأن يكون له سبب.

ومن طال عليه الأمر — فليجمع بين البابين ولا يقتصر على أحدهما. يعرض حاله على طبيب إن كثرت النوبات أو صحبها نعاس نهاريّ ثقيل. ويُنظر في أمره: فإذا عاد الجثوم ليلة بعد ليلة ومعه علامات أخرى — منامات يُطارَد فيها بكلاب سود أو حيّات، أو ثقل أو اضطراب عند سماع القرآن، أو زواج أو رزق انغلق في الموسم نفسه — قرأ أهل الرقية ذلك مجتمعًا علامةً على العين أو السحر أو المسّ. وذلك ما تكشفه القراءة الروحانيّة، وما ترفعه الرقية.

وأدب أخير: ألا يُحكم على أحد من ليلة واحدة. فمن قال لخائف إنّ به مسًّا قبل أن يُكشف شيء، فقد حمّله ما لا يحتمل، وزاد في الخوف الذي يعيد النوبات. وأنفع ما يقال لمن أصابه: أنّ لهذا اسمًا، وأنّه معروف، وأنّ له حفظًا، وأنّه ينقضي — وأنّه إن عاد يُنظر فيه ويُعالج.

الجاثوم في المعاجم وكتب اللغة

وقفةٌ قصيرة مع الكلمة نفسها، لأنّها من أدقّ ما وُضع في هذا الباب في أيّ لسان.

الجَثْم في اللغة لزوم الشيء موضعَه وبروكُه؛ يقال جثم الطائر إذا لصق بالأرض ولزمها، وجَثَم الرجل إذا قعد على ركبتيه لا يبرح. ومنه «الجاثوم» و«الجاثومة»، وهو الاسم الذي أُطلق على هذا الذي يقع على النائم فلا يستطيع منه حراكًا. ووُصف في كتب اللغة والطبّ القديمة وصفًا يكاد يطابق ما يصفه الناس اليوم: ثقلٌ يجده النائم على صدره، لا يقدر معه على الحركة ولا على الكلام، ويزول عنه.

ولاحِظ أنّ التسمية بُنيت على الفعل لا على الفاعل. لم تُسمَّ الحال باسم كائنٍ يُفترض، بل باسم ما يحدث: شيءٌ برك ولزم. وهذا اختيارٌ لغويّ دقيق، وهو أدقّ من كثيرٍ ممّا كُتب بعده، لأنّه يصف ما يُدرَك بلا زيادة.

وفي كتب الطبّ العربيّ القديم بابٌ لهذا في أمراض الرأس والنوم، يُذكر فيه بأسبابٍ من جنس التخمة والنوم على الشِّبع والاستلقاء على الظهر — وهي بعينها العوامل التي يُوصى بضبطها اليوم. وليس في هذا ما يُعجب: من رصد الظاهرة بدقّةٍ عبر مئات الحالات وصل إلى العوامل نفسها، وإن اختلفت العبارة.

لماذا تتشابه الصورة في كلّ مكان

وسؤالٌ ظاهر يتبع كلّ ما سبق: لماذا تتشابه الصور إذن على هذا النحو، من اليابان إلى المغرب؟

لأنّها مبنيّةٌ من المكوّنات الثلاثة نفسها في كلّ مكان. ثقلٌ على الصدر يحتاج إلى مصدر. وذهنٌ مستيقظ في غرفةٍ مظلمة سيحدّد له مصدرًا. وسكونٌ تامّ يجعل أيّ مصدرٍ مهدِّدًا. وبهذه الثلاثة، لا يكاد يبقى وصفٌ متاحٌ سوى: شيءٌ ثقيلٌ كبير جالسٌ عليك وينظر.

والذي يتغيّر هو الاسم. مجتمع يتكلّم عن الجنّ يسمّيه جنّيًّا، وقرية أوروبيّة في القرون الوسطى سمّته كائنًا من كائناتها، ومدينة اليوم تقول ظلًّا أو هيئة بقلنسوة. أمم لا اتّصال بينها تصف الزائر نفسه بالألفاظ التي عندها — ولا يعدّ البيت ذلك مصادفة في المفردات. فالليل مسكون كما يعلّم التراث، والجثوم باب من الأبواب التي يلقى بها الإنسان ما لا يُرى: لا في كلّ ليلة ولا في كلّ نوبة، ولهذا يفصل ما يلي بين ما يُصنع للبدن وما يُصنع للسبب الآخر.

وفي هذا فائدةٌ عملية. وتفصيل الهيئة يتأثّر بما قرأت وشاهدت قريبًا. ومن أكثر من مطالعة موادّ الزيارات الليلية يروي هيئاتٍ أكثر تفصيلًا. وليس هذا موضع خجل؛ إنّما هو سببٌ لأن تتوخّى شيئًا من الحذر فيما تقرؤه في الأسبوعين التاليين لنوبة، وفيما تقرؤه عند منتصف الليل.

ما قبل النوبة: الدقائق التي تسبقها

تفصيلٌ عمليّ يعرفه من تكرّر عليه ولا تكاد تجده مكتوبًا: لكثير من الناس مقدّمةٌ تُنذر، وهي قابلة للتعلّم.

أشهرها إحساسٌ بالطنين أو الأزيز يعلو تدريجًا، كأنّ صوتًا يقترب. ومنها اهتزازٌ داخليّ في الجسد بلا حركةٍ ظاهرة. ومنها إحساسٌ بأنّ الجسم يثقل من القدمين صعودًا. وهذه كلّها تقع عند الحدّ نفسه بين النوم واليقظة.

وفائدة معرفتها مزدوجة. الأولى أنّها تمنح لحظةً للتسمية قبل أن يبدأ الخوف: من عرف أنّ الطنين مقدّمةٌ استقبل ما بعده وهو يعرف ما هو. والثانية أنّ عندها فرصةً صغيرةً للانصراف — تحريك أصبعٍ الآن، أو فتح العين، أو قلب الجنب — وكثيرون يستطيعون بهذا قطع النوبة قبل أن تكتمل.

ومن لم تكن له مقدّمة فلا شيء في ذلك؛ نحو نصف الناس يصفون بدايةً مفاجئة بلا إنذار. وإنّما ذُكر هذا لأنّ من عنده مقدّمةٌ ولا يعرفها يقضي سنينَ يظنّ أنّ الأزيز جزءٌ من الزيارة، وهو في الحقيقة إشارةُ الباب.

ما ينفع أثناء النوبة

عمليّ، ويعمل. وأكثر من تعلّم هذه الخطوات يقول إنّ النوبات كفّت عن كونها مخيفة قبل أن تكفّ عن الوقوع بزمن.

سمّه واستعذ، فورًا. «هذا الجاثوم. مدّته دقيقة.» ثم الكلمات، ولو في سرّك: أعوذ بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلق. والتسمية تحلّ محلّ الحكاية التي يبنيها خوفك حكايةً فيها وقت انتهاء، والاستعاذة جواب التراث في تلك اللحظة.

لا تصارع البدن كلّه. جهد العضلات الكبيرة ضدّ الشلل لا ينتج إلّا الذعر. اذهب إلى الصغير: طرف إصبع، إصبع قدم، اللسان، العينان. فأصغر العضلات تُطلَق أوّلًا، وإصبعٌ واحد يتحرّك يكفي عادةً لكسر الحال كلّها.

ازفر ولا تشهق. إحساس الصدر ناشئٌ عن ضيق الاتّساع، فمحاولة أخذ نفَسٍ كبير تصارع الشيء العالق بعينه. أمّا الزفير الطويل البطيء فمتاحٌ ويُسكِن الإنذار.

لا تفتّش الظلام عن الهيئة. اصرف عينك إلى شيء معروف — النافذة، حافّة الباب — وأبقِ الاستعاذة على لسانك. فتفتيش الظلام يغذّي الخوف، والشيء المعروف والكلمات يعطيان اللحظة موضعًا ثابتًا تستقرّ عليه.

دعه ينتهي. إنّه ينتهي. كلّ نوبةٍ وقعت انتهت. والخائف خائفٌ من حالٍ لها حدٌّ زمنيّ صارم بلا استثناء.

ما ينفع بين النوبات

التكرار أشدّ استجابةً للظروف العادية ممّا يظنّ أكثر الناس، وهذا هو الجزء الذي يستحقّ العمل.

ثلاثة عوامل تتكرّر في سجلّات الناس أنفسهم. النوم على الظهر يقترن بالنوبات في أغلب الروايات، وتغيير الوضع أنفع تعديلٍ متاح؛ ومن نام مستلقيًا عمره كلّه يستطيع في أسبوعين أن يعتاد وسادةً خلف ظهره. واضطراب المواعيد — العمل بالنوبات، وأسبوعٌ متقطّع، وتعويض النوم في العطلة — يرفع التكرار على نحوٍ موثوق. والحال التي تنام عليها أهمّ من مجموع الساعات: تتجمّع النوبات في ليالٍ بدأت على يقظةٍ عالية، وهو عمليًّا يعني شاشة.

واحتفظ بسجلٍّ قصير، فالنمط مقروءٌ دائمًا تقريبًا. التاريخ، والوضع، وساعة النوم، وكيف كان اليوم السابق. وثلاثة أو أربعة مُدخَلات تكفي لرؤيته. وهذا هو الانضباط نفسه الذي طبّقه التراث على كلّ شيء آخر، وهو يعمل هنا للسبب العاديّ: السلسلة تُري ما لا تستطيع ليلةٌ واحدة أن تُريَه.

وإن كانت النوبات متواترة، أو كان النعاس النهاريّ ثقيلًا، أو صحبها ما يقلقك، فذكرُ ذلك للطبيب أمرٌ حسن. فهذه ظاهرةُ نومٍ معروفةٌ موصوفة، وليس في طرحها غرابة.

ما يستحقّ القراءة: الموسم لا الليلة

شهر مرسوم شبكةً من مربّعات غائرة بلا أرقام، وفيه ستّ علامات ذهبية صغيرة: خمس مجتمعة في أسبوع واحد وواحدة منفردة في الأسبوع الذي قبله.
لا الليلة، بل الموسم. تتجمّع النوبات حول ما يجري في حياة صاحبها، والتجمّع هو ما يستحقّ القراءة.

التراث يوصي بألّا يُبنى على الليلة المنفردة، وهذا حكمٌ في التعامل. ويبقى سؤالٌ وجيه: فما الذي يُقرأ إذن؟

بلى، وهو النمط لا الليلة.

اسأل من سمع كثيرًا من هذه الروايات يقل لك الشيء نفسه: النوبات تتجمّع. تأتي في شهر الانتقال إلى بيت جديد، وفي الأسابيع التي تلي فقدًا، وفي الثلث الأخير من الحمل، وقبيل قرار ظلّ يؤجَّل، وفي الأسبوعين بعد وظيفة تسير سيرًا سيّئًا. بعض ذلك لأنّ هذه المواسم تقطّع النوم وتشغل الذهن عند وقت النوم — وبعضه لأنّ الموسم قد يفتح بابًا: فإذا بدأت النوبات مع السكنى في بيت بعينه، فجواب التراث في البيت نفسه. اقرأ فيه سورة البقرة؛ فقد قال ﷺ: لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة.

فالقراءة إذن على مستوى الموسم لا الليلة. ماذا كان يجري في حياتك في المرّات الثلاث الأخيرة؟ لهذا السؤال جواب، وهو متاحٌ فورًا في الغالب، وهو الجواب نفسه في الغالب. والذي يظهر عندئذٍ هو ما يستحقّ العناية، وليس هو الهيئة التي في الغرفة.

وهذه بعينها الحركة التي يصنعها التراث في كلّ موضعٍ آخر، وقد بُسطت في مقال الأحلام المتكرّرة: حين تتكرّر الصورة نفسها، فالرسالة في التكرار لا في الصورة.

أن تحكيه لأحد

فصلٌ قصير عن الجانب الاجتماعيّ، وهو أكثر ما يسوء وأقلّ ما يُكتب فيه.

من أصابه هذا يميل إلى السكوت عنه. والسبب ظاهر: في الحكاية جملةٌ — كان في الغرفة أحد — تبدو لمن لم تصبه كدعوى عن العالم لا كوصفٍ لتجربة. والحاكي يعلم ذلك فيحرّر كلامه، فينتهي إلى السكوت أو إلى قوله مازحًا.

وأمران يجعلان الحكاية تنجح. الأوّل: ابدأ بالسكون لا بالهيئة. «استيقظت ولم أستطع الحركة دقيقة» جملةٌ يستقبلها أيّ إنسان، وفيها الواقعة الجوهرية. والثاني: سمِّه. فكلمة «الجاثوم» تعمل عملًا حقيقيًّا في المحادثة، وكذلك «شلل النوم»؛ وكلتاهما تشير إلى أنّ هذا شيءٌ معروفٌ له اسم لا شيءٌ وقع لك وحدك.

وإن كنت أنت المستمع، فأنفع ردٍّ ليس طمأنةً عن الهيئة، بل: يقع لي أيضًا، أو: أعرف ما هذا. وأكثر من حمل واحدةً من هذه سنين يقول إنّ الفرج جاءه من معرفة أنّ لها اسمًا وأنّها شائعة — لا من أن يُقال له ما ليست هي.

اللوحة التي بقيت بعد الاعتقاد

استطرادٌ قصير يستحقّ موضعه، لأنّ الصورة على الأرجح في ذهنك أصلًا.

عرض هنري فوسلي سنة ١٧٨١ لوحةَ الكابوس: امرأةٌ مرميّةٌ على سرير، وعلى صدرها كائنٌ صغير كثيف خبيث جاثم. جعلته اللوحة مشهورًا، ونُسخت طبعاتُها بلا انقطاع، ولم تخرج من التداول منذئذٍ.

والملحوظ فيها دقّتها. لم يكن فوسلي يرسم نظرية؛ كان يرسم روايةً سمعها. الهيئة صحيحة، والموضع صحيح، والثقل صحيح، والنظر صحيح. وبعد مئتين وأربعين سنة، يصف الناس نوباتهم لطبيبٍ فينتجون، بالكلام، تلك اللوحة.

وبقاؤها هو الشاهد. فبعد أن كفّت أوروبا المتعلّمة عن ردّ التجربة إلى كائن، بقيت الصورة، لأنّ الصورة لم تكن يومًا عن الكائن. كانت عن الضغط والسكون، وهما لم يتغيّرا.

الأطفال، والأمر نفسه

موضعٌ يستحقّ فقرةً خاصّة، لأنّ الخطأ فيه أغلى.

يقع هذا للأطفال والمراهقين، وقد يقع مبكّرًا. والطفل لا يملك من الألفاظ ما يصف به التجربة، فيقول ما يستطيع: «كان في الغرفة أحد»، أو «ما قدرت أتحرّك»، أو يبكي ولا يفسّر. والذي يقرّر أثر الليلة كلّها هو ردّ الكبير في الدقيقة التالية.

وأنفع ما يُقال للطفل في هذه الحال ثلاثة: أنّ هذا يقع لكثيرين، وأنّ له اسمًا، وأنّه ينتهي دائمًا. وأضرّ ما يُقال: تفسيرٌ مخيف يربطه بشيءٍ يقصد الطفل بعينه — فالطفل يصدّق، ويصير ينام وهو ينتظر، والانتظار نفسه من أقوى ما يرفع التكرار. ويُعوَّذ الطفل كما كان النبيّ ﷺ يعوّذ الحسن والحسين: أعيذكما بكلمات الله التامّة من كلّ شيطان وهامّة، ومن كلّ عين لامّة.

وأمّا العلاج فهو نفسه علاج الكبار وأيسر: موعد نومٍ ثابت، ووضعُ نومٍ على الجنب، وساعةٌ هادئة بلا شاشة قبل النوم. وأكثر حالات الأطفال تخفّ من غير شيءٍ آخر. فإن تواترت أو صحبها نعاسٌ نهاريّ ثقيل فهي مسألةٌ تُذكر للطبيب، ككلّ ما يخصّ النوم.

أسئلة شائعة

هل هو خطر؟ النوبة نفسها حالٌ مؤقّتة في دورة النوم وتنفكّ وحدها. أمّا تواتر النوبات، أو النعاس النهاريّ الثقيل، أو ما يقلقك معها، فيستحقّ عرضه على طبيب — وظواهر النوم موصوفةٌ جيّدًا ويسهل الكلام فيها.

لماذا يكثر عليّ في الضغط؟ لأنّ المحرّضات الموثوقة هي اضطراب المواعيد واليقظة العالية عند النوم، والفترات الصعبة تُنتج الأمرين.

أحقيقيّ ما رأيته في الغرفة؟ ما أدركته أدركته. وأهل العلم على أنّ للتجربة سببين — حال البدن عند حدّ النوم، وفي بعض الأحوال جثوم من الجنّ. فالنوبة المنفردة تُستقبل بالاستعاذة ولا تُفكّ رسالتها، والجثوم الذي يعود مع علامات أخرى يُنظر فيه ويُعالج.

هل أستطيع إيقافه؟ التكرار يستجيب جيّدًا للوضع، وانتظام المواعيد، وكيفية الدخول في النوم. والزوال التامّ ليس متاحًا دائمًا، لكنّ الانتقال من شهريّ إلى مرّتين في السنة شائعٌ بهذه الثلاثة.

أأدوّنه في دفتر المنامات؟ دوّن التاريخ والوضع واليوم السابق — لا المضمون. فالمضمون ليس هو المادّة هنا؛ النمط هو المادّة.

أهو نفسه الفزع الليليّ؟ لا. الفزع الليليّ يقع في النوم العميق، وفيه حركةٌ وصياح، ولا يُذكر عادةً. وهذا عكسه: لا حركة، ويُذكر بوضوح.

هل ينفع الحلم الواعي أم يزيده؟ الروايات في الاتّجاهين. فبعض من يمارس الحلم الواعي يجد الحال صارت قابلةً للتنقّل فيها بدل أن تكون مخيفة؛ وآخرون يجدون أنّ العمل المقصود عند حدّ النوم يزيد تواترها. فإن كانت نوباتك متواترة أصلًا، فذلك سببٌ للتأنّي مع التقنيات التي تتضمّن إيقاظ النفس في الليل.

أينفع تغيير مكان النوم أو الغرفة؟ ينفع بقدر ما يغيّر الوضع والمواعيد، وقد يكون للمكان نفسه شأن. فإن بدأت النوبات مع بيت بعينه، فاقرأ فيه سورة البقرة، وحصّنه بالأذكار، وجرّب التعديلين معًا.

هل الصوم أو تغيّر مواعيد الأكل يزيده؟ قد يزيده، لا لأنّ للطعام أثرًا مباشرًا بل لأنّ تغيّر مواعيد النوم هو الأثر الحقيقيّ. وفي المواسم التي تنقلب فيها الليالي — رمضان مثالٌ يعرفه أكثر القرّاء — يرتفع التكرار عند كثيرين، ويعود إلى ما كان عليه بعدها بأسبوعين. ومعرفة ذلك سلفًا تُذهب نصف القلق.

وإن تكرّر في الليلة الواحدة مرّتين أو ثلاثًا؟ يقع، وهو مزعج ولا يدلّ على شيءٍ أشدّ. والمعتاد أنّه يقع حين يعود النائم فورًا إلى الوضع نفسه. فإن انفكّت النوبة، فقُم قليلًا — دقيقة واحدة على حافّة السرير تكفي — ثم عُد على جنبك. وهذا يقطع تكرار الليلة عند أكثر الناس.

إن كنت تحمل واحدةً من هذه

ابدأ بالتعديلات الثلاثة — الوضع، وانتظام المواعيد، وكيف تدخل في النوم — واحتفظ بأربعة سطورٍ من السجلّ. وعند أكثر الناس هذا هو العلاج كلّه.

فإن كانت النوبات تتجمّع حول أمر في حياتك، فذلك التجمّع هو ما تقرؤه القراءة. وتفسير الأحلام مع لكساريون يبدأ من روايتك ومن موسمك أنت لا من جدول، ويفصل ما يستحقّ القراءة عمّا لا يستحقّها، ويسمّي صراحةً ما يظلّ يجثم إذا كان له سبب يحتاج إلى علاج.

وإن كان مرادك أن تقرأ منامك بنفسك — من الصنف الذي يُقرأ — فـمقال كيف عمل المعبّرون الأوائل يبسط الفرز الذي تستند إليه هذه المقالة، ومقال بناء أبجديّتك في المنام هو الخطوة التالية.

وإن لم تأخذ من هذا كلّه إلا شيئًا واحدًا فليكن: أنّ الذي جثم على صدرك ما زال يجثم على صدور الناس، بأسماء مختلفة، منذ وُجدت الأسماء. أنت في صحبة واسعة جدًّا، صحبة تعلّمت عبر القرون ما يُصنع للبدن وما يُقال في الظلام: فاصنع الأمرين.

#أحلام

حدّث ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦، ٣٤١ مشاهدة

المكتبة تُعلّم الحرفة، والقراءة تُنزلها على حالك.

بدء قراءتك الشخصية