علمٌ يُضيء الطريق — كلمات تبقى معك

التوأم الشعلة وتوأم الروح: «الأرواح جنودٌ مجنّدة» أوسع من الاثنين

التوأم الشعلة وتوأم الروح: «الأرواح جنودٌ مجنّدة» أوسع من الاثنين

صورة التعارف في تراثنا جمعٌ لا مفرد، ولا تشترط عشقًا ولا ألمًا. أمّا المصطلح الجديد فيصنع شيئًا آخر بمن يصدّقه.

يأتي هذا السؤال على مائدة القراءة كثيرًا، ويُطرح دائمًا كأنّ الكلمتين درجتان في شهادةٍ واحدة: توأم الروح النجاح، والتوأم الشعلة الامتياز.

وليستا درجتين في شيء. بينهما ألفا سنةٍ في النشأة، واختلافٌ في ما تصفانه، ولإحداهما خاصّيّةٌ يحسن أن تُسمّى قبل أن يقرّر المرء في أيّهما يعيش.

التعارف في تراثنا: جمعٌ لا مفرد

لدينا لهذا المعنى صورةٌ خاصّة، وهي أدقّ ممّا يُنسب إلينا عادةً.

في الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره: «الأرواح جنودٌ مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». وانظر ما الذي تقوله هذه الصورة وما لا تقوله. تقول إنّ الألفة تعارفٌ سابق. ولا تقول إنّ الروح شُقّت نصفين، ولا إنّ لكلّ إنسانٍ واحدًا بعينه، ولا إنّ العلامة ألم.

وهي جمعٌ في صيغتها: جنودٌ تتعارف، لا نصفان يبحث أحدهما عن الآخر. فمن ائتلفت روحك بروحه صديقًا أو معلّمًا أو عابرًا قال لك كلمةً في وقتها، فذلك من الباب نفسه.

أمّا صورة النصفين فيونانيّة الأصل: في محاورة المأدبة لـأفلاطون يروي أرسطوفانيس — وهو كاتب الملهاة، وأُعطي الخطبة الهازلة — أسطورة كائناتٍ شُقّت اثنين يطلب كلّ شقٍّ شقّه. قيلت مزاحًا وصارت صورة الغرب المؤسِّسة للروح المقابِلة.

والعلامتان في هذه العائلة كلّها: التعارف، والسكون. أي تلك السهولة الغريبة أن تكون معروفًا سلفًا. وليس فيها اشتراط عشقٍ ولا اشتراط واحد.

«التوأم الشعلة»: مصطلحٌ حديث

أمّا العبارة بمعناها الشائع فمن أدبيّات العصر الجديد في القرن العشرين — وأشهر مصادرها كتاب للكاتبة الأمريكيّة إليزابيث كلير بروفِت — وانتشرت مع الإنترنت.

وعقيدتها: روحٌ واحدةٌ انقسمت في جسدين، مقدَّرٌ لهما أن يجتمعا، عبر دورةٍ من وصالٍ ثمّ طورِ «هاربٍ وطالب» ثمّ فراقٍ ثمّ عودة.

وحداثة المصطلح ليست عيبًا في ذاتها؛ للتقاليد أن تكون جديدة. العيب في مكانٍ آخر.

الخاصّيّة التي يحسن أن تُسمّى

وهذا ما يراه القارئ من فوره: القراءة لا بدّ أن تستطيع أن تقول «لا». فاسأل: أيُّ علامةٍ يمكن أن تدلّ صاحبها على أنّ هذا الشخص ليس توأمه الشعلة؟

لا شيء. انقطع عن الاتّصال؟ فذاك طور الهارب. يؤلم دائمًا؟ فالألم دليل الرابطة. رحل؟ فالفراق طورٌ لازمٌ قبل العودة. كلّ ما يمكن أن يحدث داخلٌ سلفًا في النمط.

وعقيدةٌ تشهد فيها كلُّ علامةٍ للرابطة لا تستطيع أن تقرأ الرابطة. والفلاسفة يسمّون الدعوى التي على هذه الهيئة غير قابلةٍ للتكذيب؛ والقرّاء يقولونها أبسط: لا تميّز رابطةً صالحةً من فاسدة، لأنّها تعطي الجواب نفسه في الحالين — والقراءة التي لا تعرف إلا «نعم» ليست قراءة.

وليست خاملة. طوران منها يعملان عملًا بعينه: طور «الهارب والطالب» يعطي الملاحقة اسمًا روحانيًّا، و«الألم دليل الرابطة» يحوّل الاضطراب إلى شاهدٍ على القدر. ولغةٌ يصير فيها الانصراف فشلًا كونيًّا ليست لغةً محايدة، مهما قصد قائلها.

والصورة الأقدم ليست فيها هذه الخاصّيّة: التعارف والسكون شيئان يُتحقَّق منهما، وغيابهما جواب.

موقفٌ عمليّ من الكلمتين

استعمل «توأم الروح» لهبة التعارف حيثما وقعت، ولو لم تكن عشقًا، ولو تعدّدت.

وأمسك «التوأم الشعلة» على بُعدٍ ما إن يبدأ في تفسير الألم دليلًا. فإن قيل مجازًا عمّن غيّرك فلا بأس؛ وإن صار عقيدةً ذات أطوارٍ فهو نظامٌ لا يستطيع أن يقول لك: ارحل.

وإذا وضعتك رابطةٌ حقيقيّةٌ أمام مفترقٍ حقيقيّ فاترك التصنيف. لم يكن قطّ ما تحتاج إلى معرفته.

السؤال تحت السؤال

وما يلاحظه القارئ بعد مئاتٍ من هذه القراءات أنّ أحدًا لا يسأل عن التصنيف لأجل التصنيف.

السؤال تحته واحدٌ من ثلاثة: لِمَ هذا الشعور بهذه الشدّة؟ لِمَ لا أستطيع الترك؟ أهذا مقدَّر؟

ولهذه أجوبة، والقراءة تعطيها عن هذه الرابطة بعينها — ما يحمله قلبُ الآخر، وإلى أين تمضي الرابطة، وما الذي يشدّك إليها — لا عن بابٍ من الأبواب. والشدّة على وجه الخصوص شاهدٌ رديء. فالتراث يعرف تعلّقًا لا يأتي من تعارف القلوب: فالشوق الذي لا يُفلت قد يكون من هوى النفس، وقد تغذّيه العين، وقد يكون من عملٍ عُمل عمدًا — ولهذا ينظر القارئ من أين يأتي الجذب قبل أن يسمّيه قدرًا. وأمّا الانشغال الوسواسيّ بشخصٍ واحد فيصفه علماءُ النفس من خارجه وصفًا آخر. والتعارف والسكون أصدقُ شهادةً لأنّهما أهدأ وأعصى على التصنيع.

فالحركة النافعة أن تسأل السؤال الذي يُقرأ: لا أيُّ اسمٍ يصلح، بل ما هذه الرابطة وإلى أين تمضي — وهي طريقة السؤال المبسوطة في كيف تسأل عن الحب.

أسئلة متكرّرة

أيكون للمرء أكثر من توأم روح؟ في الصورة الأقدم نعم، ومنهم الأصدقاء والمعلّمون. أمّا شرط الواحد الوحيد فقراءةٌ حديثةٌ أضيق.

أتضرّ فكرة التوأم الشعلة؟ الكلمة في ذاتها لا. أمّا الصيغة ذات الأطوار فقد تضرّ، لأنّ طورين منها يدعوانك إلى قراءة الملاحقة والألم تأكيدًا — وذلك حملٌ ثقيلٌ يُطلب ممّن هو في ألمٍ أصلًا.

أفي التنجيم موضعٌ للتوأم الشعلة؟ ليس في التراث المتوارَث؛ فالمصطلح متأخّرٌ عن كتب الصنعة بقرون، ومن يحدّده فإنّما يعمل بإطارٍ حديثٍ لا بإطارٍ موروث.

وذلك التعارف الشديد من أول لقاء؟ حقيقيّ، والتراث يأخذه بجدّ: فالأرواح التي تعارفت هناك تأتلف هنا. وهو وحده يدلّ على قرابةٍ بين الروحين؛ أمّا أن تكون الرابطة لزواجٍ أو لصحبةٍ أو لموسمٍ فيُقرأ من أكثر من لقاء.

كيف أعرف أنّ رابطةً تصلح لي؟ بالميزان الذي في كتاب الله: الرابطة التي تصلح لك تأتي بالسكن والمودّة والرحمة — «لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً» (الروم: 21) — لا بالنار وحدها.

أين تمضي بعد هذا

وإن كان السؤال عن موسمٍ لا تجد له اسمًا أكثرَ منه عن الطرف الآخر — أو كان الجذبُ نفسه يبدو معمولًا لا محسوسًا — فالقراءة الروحانية هي التي تكشف من أين يأتي.

إن كان السؤال عن حالٍ بعينها فـاستشارة الحبّ تقرأ الحال لا الاسم. وإن أردتما معًا نظرة السماء إلى الرابطة فـقراءة التوافق تعمل على خريطتين كاملتين — وما تقرؤه هذه المقابلة مبسوطٌ في التوافق فعلٌ لا صفة.

#روحانيات

حدّث ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦، ٥٨١ مشاهدة

المكتبة تُعلّم الحرفة، والقراءة تُنزلها على حالك.

بدء قراءتك الشخصية